الرئيس الإريتري: بلادنا ليست للبيع لإيران أو إسرائيل

المشهد السياسي
17 فبراير 2010م

في
حديث تنشره «الوقت» بالتزامن مع «الأنباء» الكويتية
الرئيس الإريتري: بلادنا ليست للبيع لإيران أو إسرائيل

مصوّع - إريتريا - عدنان الراشد، محمد الحسيني:

في مواجهة الاتهامات الكبيرة والخطيرة لدولة إريتريا على الساحة الدولية وما يثار حول دعمها لتنظيم «القاعدة» في القرن الإفريقي والبحر الأحمر وتنامي نفوذ كل من إيران وإسرائيل فيها وتدخلها في شؤون الصومال والسودان واليمن وكينيا، واستمرار المواجهة بينها وبين جارتها إثيوبيا، حملت «الأنباء» في حديث تنشره بالتزامن مع «الوقت» التساؤلات بخصوص كل هذه الملفات وغيرها إلى مدينة «مصوع» الساحلية الاستراتيجية، حيث التقينا الرئيس الإريتري أسياس أفورقي الذي أجاب من دون تحفظ عن كل ما طرحناه عليه من أسئلة قائلاً إن بلاده «ليست للبيع لا لإيران ولا لإسرائيل» ومتهماً الولايات المتحدة «التي لم تتعلم الدروس من المستنقعات التي وقعت فيها» وإثيوبيا بأنهما تقفان وراء الحملة على بلاده التي تسعى على عكس ما يوجه لها من تهم إلى استقرار القرن الإفريقي ومحيطه كما أشار.
وأكد أفورقي أن بلاده تسير على الطريق الصحيح على مستوى التنمية البشرية، خصوصاً في مجالي الصحة والتعليم بعكس ما تقدمه «تقارير مضللة» للأمم المتحدة.
وعما يثار بشأن غياب الديموقراطية عن بلاده وعدم إجراء انتخابات فيها قال إن «الديموقراطية وفق النمط الذي تدعو إليه الولايات المتحدة» هي سبب الكوارث في الصومال والسودان وكينيا وغيرها، مشيراً إلى أن التوجه إلى صناديق الاقتراع كما يدعون إليه هو «شكليات وترف» يزيد من تعقيدات المشكلات المطروحة.
وأبدى الرئيس أفورقي إعجابه بالنموذج الصيني والخطوات العملاقة التي حققتها الصين في ظل حكم الحزب الواحد، لافتاً إلى أن الولايات المتحدة نفسها مدينة بتريليونات الدولارات للصين. وأعرب الرئيس الإريتري عن رفضه لأي وساطة بين بلاده وإثيوبيا في الأزمة الحدودية بينهما، لافتاً إلى أنه لا حل لعودة الأمور إلى طبيعتها بين البلدين سوى رضوخ إثيوبيا لنتيجة التحكيم الذي صدر لصالح بلاده والذي تمتنع عن التسليم بنتيجته منذ 8 سنوات.
واتهم الرئيس أفورقي رئيس الوزراء الإثيوبي ملس زيناوي وحكومته بمحاولة تصدير «الأزمة الداخلية» في إثيوبيا إلى إريتريا. وفيما يلي التفاصيل:
*
عادة ما يطرح في المنتديات الدولية أن السياسة الخارجية لإريتريا تفوق بأشواط مساحتها كبلد في ظل تأثيرها في عدد كبير من الملفات خاصة الإفريقية، وتدور حول علاقتكم بدول المنطقة الكثير من التحليلات. ما أسس سياستكم الخارجية في ظل ما نسمعه عن تنامي النفوذ الإيراني وقبله الإسرائيلي عندكم وما يقال عن دوركم في السودان والصومال وعلاقتكم بإثيوبيا وجيبوتي واليمن والاتحاد الإفريقي وغيرها وأمن البحر الأحمر؟
-
التهويل والتضليل هو ما خلق هذه الصورة، يقولون إن إسرائيل موجودة في جزيرة دهلك، وإيران موجودة في جزيرة قرب مدينة عصب، نحن نقول هذا البلد ليس للبيع أو التأجير لأي طرف آخر.
ثم يتحدثون عن أننا نحاول زعزعة أمن اليمن والسعودية، ما مصلحتنا بذلك؟ واحد بعيد عن المنطقة قد تكون له مصلحة، لكن أنا أعرف أنه إذا احترق بيت جاري فبيتي معرض أيضاً، هل هناك مصلحة أن تأتي إيران وتشتري إريتريا أرضاً وشعباً وتوظف بلدنا لمصلحتها؟ أي إنسان عاقل لا يصدق هذا الكلام الذي يثار، ثم ما الانسجام بين المصلحة الإيرانية والمصلحة الإسرائيلية في البحر الأحمر حتى نتهم بدعم الطرفين؟
الحديث عن هذا الدور تهويل ليس له أي أساس من الصحة، وللأسف الحكومة الإثيوبية هي جزء من هذه المشكلة، نحن نختلف جذرياً مع سياسات أميركا في المنطقة لأنها حملت مزيداً من التعقيدات والمشكلات والفتن بين مجتمعاتنا وشعوبنا ونحن كنا في غنى عنها.
ما يجري في الصومال اليوم تتحمل أميركا وحكومات المنطقة التي تتدخل هناك جزءاً كبيراً منه.
نحن من 20 عاماً نرفض هذا النهج من السياسات في الصومال، كيف يمكن في ظل الحديث عن صومال واحد موحد تحت علم واحد أن تكون هناك «صومالي لاند» و«بونت لاند»؟ هل هذا الواقع مقبول؟ هل يريد أحد أن يبقى الصومال مجزأ ويعيش شعبه في مأساة؟ هذا مرفوض بالنسبة إلينا.
إثيوبيا وكينيا وجيبوتي تعتقد أن الصومال يهدد أمنها القومي، وهذه البلدان ترى في زعزعة الصومال مصلحة، هل يجوز أن يستمر ذلك؟ نحن العكس حيث إن استقرار الصومال ضرورة للمنطقة، التدخلات البناءة مطلوبة ولكن يجب ألا تكون عكس ذلك.
مرت 20 سنة وهم يكررون الأخطاء غير المبررة نفسها، نحن شعب محترم وبلد محترم ولا إيران ولا إسرائيل أو غيرها تشترينا، قد تكون إمكاناتنا محدودة ولكننا لسنا للبيع ولسنا أغبياء بعد كل هذه السنين والتضحيات أن نسعى لنزعزع أمن المنطقة. هناك كما قلت ترويج متعمد لتزوير الحقائق وإعطاء صورة غير حقيقية عن إريتريا.
اذهبوا إلى دهلك وعصب وستجدون مواطنينا هناك ولا صحة لما يشاع عن وجود إسرائيلي وغواصات ووجود إيراني وغيره.
علاقة إيران بإثيوبيا وجيبوتي أقوى من علاقاتها بنا وهي مستمرة ومع هذا نواجه هذه التهم. لا شيء غير عادي يذكر في العلاقة الإريترية - الإيرانية فكيف لأحد أن يصدق أننا نسمح لهم بالتدخل في البحر الأحمر؟! هذا جزء من حملات التشويش، وللأسف أصبحنا نرى الإدانات المتعاقبة من أميركا التي تدخلها بمزيد من المستنقعات ويتزامن معها تصريحات جهات تروج للأكاذيب وتعيش عليها. نكرر إريتريا ليست للبيع، وهذه المنطقة تحتاج إلى استقرار ونحن نعمل على تحقيقه والمساهمة في المزيد من عدم الاستقرار ليست مجرد غباء، بل جريمة.
*
لديكم علاقات ممتازة مع دولة قطر، ماذا عن علاقاتكم بباقي دول مجلس التعاون؟ وما رؤيتك للعلاقات مع مصر والسعودية تحديداً؟
-
الدول التي نتحدث عنها لها وزنها في المنطقة، ويجب أن يكون هناك إجماع منا كلنا على خلق استقرار في المنطقة، وهذه البلدان لها دور مؤثر وعلاقتنا بها تدخل في هذا الإطار.
هم جيراننا ونحن حريصون على استقرارهم، من يعتقد أنه يستطيع فرض آرائه والسعي إلى تغيير الأنظمة واهم، ونحن نتحدث عن قناعات وليس مجرد تكتيكات.
ونتمنى الخير لمصر والسعودية ودول المنطقة ونتطلع للاستقرار أولاً، ثم التعاون في المجالات الأخرى من اقتصاد واستثمار وتنمية، وهذا هو حجر الزاوية في سياستنا. منطقتنا غنية وإذا تضافرت الجهود لن نكون أقل من الصين والهند وغيرهما.
نحن كبلد صغير نريد بيئة آمنة ولا نستطيع أن نعيش في موقع مضطرب، الكبار قد تكون لهم حسابات لكننا لسنا كذلك.
*
رغم كل العلاقة الطيبة مع الكويت منذ تسلمتم الحكم بعد الاستقلال العام 1993 لم تزوروا الكويت سوى مرتين، كنا نتمنى أن نراكم أكثر في الكويت. ونود أن تحدثنا عن العلاقات مع الكويت اليوم، أين هي وما طموحكم بشأنها؟
-
مواقفنا لا تتبدل ولا تتأثر لأن العلاقات مع دولة الكويت تاريخية والكويت ساهمت كثيراً في استقلالنا ولا يمكن أن ننسى أن الكويت كانت بمثابة مكتب إعلامي ودبلوماسي وسياسي داعم للقضية الإريترية وحتى زودتنا بالعتاد. وأذكر جيداً أنه كان لدينا نقص على مستوى السفن، وكانت لدينا مراكب ذات محرك واحد وأول سفينة حصلنا عليها بصندوقين أو محركين حصلنا عليها من الكويت. دعم الكويت لم يكن فقط اقتصادياً، بل عسكري أيضاً وإلى اليوم لدينا نماذج من الأسلحة والأجهزة اللاسلكية التي حصلنا عليها من الكويت.
وبعد الاستقلال بدأت الكويت بالمساهمة في مشروعات استراتيجية في بلدنا، مثل مشروع الكهرباء، فلم يكن لدينا في 1991 عندما دخلنا إلى هنا كهرباء، والكويت ساهمت بالمرحلة الأولى في عملية تأهيل محطة الكهرباء الأساسية بتمويل كويتي فقط. كما دخل لاحقاً صندوق الكويت للتنمية مع صناديق خليجية في تمويل استكمال المحطة.
لكن مع عمق العلاقات بين البلدين إلا أننا بأسف شديد نشعر بأن العلاقات الكويتية - الإثيوبية أفضل من العلاقات الكويتية - الإريترية.
نحن لا نمانع أن تكون للكويت علاقات مع إثيوبيا إطلاقاً، لكن نتمنى ألا تنعكس هذه العلاقات علينا أو أن تكون على حساب علاقاتنا بالكويت.
لكن بكل صدق ليست لدينا مآخذ على هذا الأمر لأن من عاش التجربة الماضية يعرف كيف وصلنا إلى تحرير هذه المدينة (الحوار أجري في مدينة مصوع في وجود الرئيس أفورقي فيها للاحتفال بذكرى تحريرها العام 1991)، والتي لم تكن لتتم لولا مساهمات الكويت التي ساندت شعبنا، ولا توجد دولة دعمت شعبنا مثل الكويت، وأنا والحمد لله عشت هذه التجربة وأعرف تفاصيلها، ولكن نأمل أن تعود الأمور إلى مجاريها الطبيعية في المستقبل القريب إن شاء الله.
*
هل هذا الموضوع كان في مضمون الرسالة التي وجهتها إلى صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد حديثاً؟
-
لا، الرسالة كانت بخصوص القرار الدولي الأخير الصادر ضد إريتريا (1907) وشرحنا في الرسالة كل الأمور والخلفيات وراء القرار ونطلع الأمير على التعقيدات التي تترتب عليه.
فصاحب السمو الأمير بحكم تجربته الطويلة في الخارجية الكويتية يعرف كل التفاصيل وهو على دراية عميقة جداً بأوضاع منطقتنا، خاصة الصومال.
وأنا أذكر أنه كان عنده بيت ومزرعة في الصومال وكانت له علاقات مع المسؤولين خصوصاً محمد سياد بري وبفضله كان للكويت دور رائد في القرن الإفريقي.
واليوم كون أميركا تأتي وتتهم إريتريا بالتدخل في الصومال وما يجري من أحداث هناك وربط إريتريا بتنظيم القاعدة والإرهاب والتطرف فإنها سعت إلى صدور القرار (1907) الجائر بحقنا، فدورنا أن نستعرض مع الأمير حقيقة الأوضاع التي طرأت في الصومال منذ سقوط نظام سياد بري وننقل لسموه موقفنا ونحن واثقون من أن سمو الأمير قادر على المساهمة في حلحلة الأمور في الصومال وإيجاد حلول للأوضاع فيه، ولذلك يتم التواصل مع سموه، فالكويت تعرف أكثر من غيرها ما يجري الآن في الصومال.
*
ما شد انتباهنا في إريتريا هو هذا التآلف والتمازج بين المسلمين والمسيحيين والمصاهرة. إنه أمر يدعو للارتياح وهو غير موجود في كثير من الدول. هل هناك توجه لديكم لاستقطاب الجاليات الإريترية بالخارج، خاصة أنها جالية متعلمة ومتمكنة ومبدعة وتملك رأس المال الذي يمكن أن يساعد على تنمية الاقتصاد الإريتري؟
-
أولاً التعايش حقيقة، وتحدثتُ عن تاريخ الكنيسة والإسلام العريق في بلدنا، هناك دير على طريق أسمرة فيه مكتبة قديمة عمرها نحو 1300 سنة فيها نسخة من الإنجيل بالعربي بعض أجزائه مقطعة
وحينها كان الإسلام موجوداً هنا وكان التعايش حاصلاً في ذلك الوقت، وفي مصوع كما تعرف يوجد أقدم مسجد، الناس هنا متعايشون بطريقة نموذجية في كل المناطق، وهناك قصة أرويها عن إحدى المناطق النائية التي تعيش فيها قبيلة مسلمة شيخ القبيلة هو نفسه الذي قام بتدشين الكنيسة هناك بأموال وإمكانيات أهالي المنطقة، هذه قمة الحضارة، رغم أن السكان هناك رعاة وغير متعلمين، كيف يمكن أن يقتل المسلم أخاه المسلم أو المسيحي أخاه المسيحي أو أن يقتل المسلم أخاه المسيحي أو العكس. بالنسبة لنا هذا غير موجود في ثقافتنا وحياتنا، ولم نأت به كسياسيين أو متنورين، وكذلك بالنسبة لموضوع المصاهرة بين الديانتين هو موجود في حياة المجتمع منذ البداية. لا توجد فرقة بين الناس، التسييس هو ما يخلق مشكلة بين الناس، التعايش ليس جديداً علينا ونحن نفتخر به.
أما بالنسبة إلى الجاليات، فنحن نفخر بأن أبناءنا في الاغتراب كانوا أول المساهمين في استقلال البلد، أمس كان عندنا لبنانيون تكلموا عن الاستثمار في الهواتف وغيرها والخبير الذي شاركنا بالمناقشة هو إريتري درس في كولورادو ولديه شهادة في الهندسة الميكانيكية. والخبير الاقتصادي المسؤول عن الاستثمار هو خبير في البنك الدولي وموجود ودرس في أميركا.
الوطنية موجودة عند كل مواطن إريتري في كل مكان، في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا وآسيا وهذا البلد يبنيه أبناؤه.
وأنا ألفت انتباهكم إلى أن تحويلات الإريتريين في الخارج أكبر من الناتج الاقتصادي السنوي. ومساهمة الإريتريين في المهجر هي أكبر من ناتج الزراعة والصناعة، نحن مستفيدون من الهجرة ومن عائدات المغتربين، نحن ليست لدينا فرص وجامعات كالموجودة في أميركا مثلاً، لذا لا نهتم بأن يهاجر إنسان ليعمل في مسح البلاط وإنما ليتعلم ويتخرج من الجامعات والحمد لله شبابنا ناجحون في الجامعات العالمية والأميركية مثل هارفرد و«ام.آي..تي» وبرينستون.
واليوم بدأنا في إنشاء كليات وجامعات في هذا البلد لنعزز فرص التعليم منذ 10 سنوات تقريباً، الهجرة ليست عيباً إذا كان هدفك التعلم وليس التسوّل، وعبر التجربة إذا كان هناك إريتري مستعد للاستثمار بالبلد فأولاً يجب أن يتعلم ومن ثم يكون المال وعندما يعود يكون قد استفاد.
إذاً، الفائدة في زمن العولمة هي أن تستفيد من مؤسسات تعليمية أفضل مما لدينا ومن اقتصاديات أفضل منا وهذا ليس عيباً. أنا لا أعتقد أن الإريتري في المهجر أو أميركا هو خسارة، بل على العكس.

الديمقراطية الشكلية في القرن الأفريقي
*
لديكم نظرية خاصة بشأن الديموقراطية في إفريقيا، خصوصاً وأنتم في محيط ملتهب وكلنا تابعنا ما جرى خاصة في الفترة الأخيرة في كل من الصومال والسودان وكينيا، أنتم من القائلين إنه يجب تهيئة المجتمع لديموقراطية هادفة لأن الديموقراطية وسيلة وليست غاية. هل هذا الأمر هو الذي يؤخر إجراء الانتخابات في إريتريا؟
-
الحديث عن الانتخابات هو الحديث عن الشكليات، يجب أن نكون واقعيين، هل الديموقراطية الكويتية هي الأمثل؟ هل النظام السعودي هو الأمثل؟ مع احترامنا للجميع نحن نرى أن كل المجتمعات تحتاج إلى أن تمر بتحولات، الحديث عن الديموقراطية وأنماطها ينطوي على إساءة، وأصبحنا نعيش محاولة للتلاعب بذكاء المجتمعات التي يجب أن تكون واعية لواقعها وتدرك مصالحها على المستوى الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والأمني. في نهاية المطاف الديموقراطية يفترض أن تكون تطويراً لحياة الناس وتوفير فرص متكافئة لهم وإدارة مثلى للموارد وأن تتمكن أنت كمواطن أن تعيش مثلك مثل غيرك في البلد وليس مجرد الذهاب إلى مراكز الاقتراع ووضع صوتك بالصندوق.
والحديث عن هذه الأمور ترف، من لا يقدر عليه ولا يعرف يتحدث عن هذا الأمر، المعيار للحكم الجيد كما قلت هو توفير الفرص والمساواة وليس مجرد إجراء الانتخابات.
*
هل هناك دستور أمثل يصلح ليكون معياراً لكل الدساتير في كل مكان. لننظر اليوم إلى الصين مثلاً. بلد يعيش فيه مليار و400 مليون نسمة ويحكمه حزب واحد. والصين من الدول الصاعدة والمستقرة وستكون قوة عظمى بعد نحو 15 سنة، فلماذا نتجاهلها وننظر إلى الولايات المتحدة وآرائها وهي المدينة اليوم للصين بالتريليونات؟
-
الحديث عن هذه الأمور أصبح حديثاً نمطياً لا طائل منه ويشكل مضيعة للوقت، لنتحدث عن المواطنة وحقوق الناس وخلق الفرص لهم فذلك أجدى، وكما قلت إذا كانت هناك قوالب فنحن نسأل من وضعها ولماذا تكون هي المعيار للتطور السياسي بأي بلد. الحديث عن الديموقراطية كما يحصل اليوم أصبح موضة هدفها المضايقة وتفرض على المجتمعات لخلق المشكلات والفتن، وشعوب منطقتنا في غنى عنها، فالحديث عن الديموقراطية على غرار اللويا جيرغا في أفغانستان، وما يجري بالعراق والصومال دليل على صحة ما نقول.
هناك تسويق لأنماط معلبة دون النظر إلى الواقع في مناطقنا وبلداننا، والإعلام أصبح مضللاً في هذا المجال.
انظر إليهم يعطون مواعظ عن حقوق الأديان، المسيحية دخلت إلى بلدنا العام 330م، ومؤسسة الكنيسة هنا عمرها أكثر من 1700 سنة لذا نحن نقول إلى من يتجاهل هذا الواقع أنت عرفت المسيحية أمس فكيف تعلمنا ما هي الحقوق؟!
وكذلك الأمر بالنسبة إلى الإسلام، فقد دخل الإسلام بلدنا مبكراً جداً عندما هاجر الصحابة إلى هذه المنطقة. فكيف نقبل أن يأتي أحد ليعلمنا الإسلام؟! هذا الموضوع طرح، ويجب أن يكون العالم العربي واعياً وأن نخرج من هذه العملية ونخلق مناخاً لكل البلدان فيه تعاون ورخاء واستقرار ومواطنة حقيقية قائمة على التنمية والمساواة وبعدها تأتي المشاركة والانتخابات، تسألني هل هناك انتخابات مؤجلة بالبلد وأنا أجيبك هل كان هناك أصلاً انتخابات موعودة لنتحدث عنها؟
يتحدثون عن انتخابات في السودان مثلاً؟ هل ستكون نتائجها مزعجة؟ البلد على كف عفريت ويواجه مصيره بأن يكون أو لا يكون عبر الاستفتاء. الشيء المزعج أن استقرار السودان هو جزء من استقرار المنطقة، وأي شيء يحدث هناك له انعكاسات علينا، الحديث عن الديموقراطية والانتخابات في السودان الآن ترف، لنتجاوز التحديات الخطيرة وبعدها نتحدث عن الانتخابات.
لا يمكن أن نعطي بديلاً لخيار الشعب السوداني، فهو من يقرر مصيره، والسودانيون أدرى بقضاياهم ولكن الموضوع ليس أن كارتر جاء وطرح وأخذ ضمانات بأن الانتخابات ستكون نزيهة، فهذا طرح في غير محله، ويتحدثون عن كينيا، وتابعنا ما جرى فيها وعن انتخابات في نيجيريا وكل يوم نشاهد شرطياً يقتل الناس في وضح النهار بشكل بشع، وفي كينيا بالسكاكين، أين الديموقراطية هذه؟
نحن نقول إن هناك مراحل يجب أن تتجاوزها هذه المجتمعات، وهي بحاجة إلى عمليات تحول لتوفير المناخ الأفضل للمواطنة والمشاركة.
وقبل هذه العملية يجب عدم الحديث عن الشكليات، أنا لا أتحدث عن نظرية وإنما قراءة للواقع الحالي المعاش.

لا نريد وساطة مع أثيوبيا
*
كنا قبل نحو 6 أشهر في أديس أبابا وأجرينا لقاء مع رئيس وزراء إثيوبيا السيد ملس زيناوي هاجم فيه إريتريا معتبراً أن مشكلتكم هي أنكم تطلقون النار أولاً ثم تنتقلون إلى المفاوضات أو الدبلوماسية ثانياً. هل هذا صحيح، وإلى أين تتجه الأمور مع إثيوبيا؟
-
إذا أطلقت النار لا تتفاوض، هذا خداع، لسنا بحاجة لأن نطلق النار، يجب أن تسأل عن الوقائع الموجودة وخلفياتها، قضية الحدود لا مبرر لها.
من استفاد من الحرب على مدى سنتين؟ في النهاية لجأنا إلى التحكيم وصدر التحكيم لصالحنا قبل 8 أعوام وإلى هذا اليوم لم ينفذ الحكم، من أطلق النار؟ وكيف جرت الأمور ومن المستفيد؟ هل طلبنا المفاوضات؟ إطلاقاً نحن لم نطلب سوى تطبيق الحكم ولا نريد أي مفاوضات طوال هذه السنوات تقول الحكومة الإثيوبية تعالوا لنتفاوض، ونحن نرفض. خلقوا مشكلة الحدود من دون أي مبرر ودفعنا ما دفعنا بسببها من أثمان. بعد الحرب في الخليج العام 1991 الكويت استندت إلى القرار الدولي لتأكيد حقوقها الحدودية وهذا ما يحصل معنا اليوم.
ما يقولونه مجرد افتعالات لا تستند إلى حقائق. ظل 18 سنة جالس معنا (زيناوي)، وساعدناه على إسقاط منغستو، وبعد سقوط ذلك النظام، شكل هو الحكومة في إثيوبيا، هل طيلة السنوات الـ 18 معه كنا نطلق النار ثم نطلب المفاوضات؟
الإنسان لا ينسى التاريخ قبل 20 - 30 عاماً. ولا يمكن أن تنكر جميل من ساعدك، نحن نقول إن هذا إفلاس، والحكومة هذه موجودة في بلد تحكمه بشكل غريب جداً لأن أغلبية الإثيوبيين غير مشاركين في الحكم.
في 1991 لم نكن نتحدث عن تحرير إريتريا فقط وإنما تحرير الشعب الإثيوبي من أنظمة كانت تقصي الأغلبية في داخل إثيوبيا.
عندما أتوا بالدستور الفيدرالي العام 1995 كنت من أول الناس الذين اطلعوا على المسودة، حتى أعطي فيها رأياً. كيف يجوز لأي بلد أن يتحدث في دستوره عن حق تقرير المصير وحق الانفصال؟ كيف تبني البلد؟ هذه عملية غير مقبولة.
القبلية أو التقسيم العرقي والقومي يصبح مؤسسياً! نظام هايلاسيلاسي لم يخلق مؤسسات القوميات ولا حتى نظام منغستو فعل ذلك. هذا ناتج عن خوف هذه المجموعة والأقلية التي تعتقد أنها يمكن أن تجزئ المجتمع عمودياً وتخلق مؤسسات قومية ومن ثم تضعف مقدرات الشعب.
في 1991 دعمناهم بكل ما استطعنا بالأسلحة والخبرات حتى نتعايش مع الإثيوبيين ونكون نحن أحراراً وهم أحرار. لكننا دخلنا في هذه المشكلة وفعلوا أشياء لم تكن في بال الكثيرين.
اجتاحوا الصومال لمصلحة من؟ ما قدراتك (إلى زيناوي)؟ وماذا عندك حتى تخلق مشكلة القاعدة والإرهاب؟ لم نكن بحاجة لصراعات وخلافات حدودية واتهامات.
لم نطلق النار ولم نطلب المفاوضات، هناك قانون وهو الحكم بيننا ويجب احترام الاتفاقيات. المفاوضات التي يتحدثون عنها عبثية ولن ندخلها.
*
هل هناك طرف ثالث يسعى لجمع القيادتين الإرتيرية والإثيوبية؟
-
المنطق بسيط، هل كان يجوز للكويتيين أن يتفاوضوا مع صدام عندما احتل أراضيهم؟ لا يمكن أن نبرر لصدام ما قام به، لقد حدث ما حدث ولجأنا إلى الاتفاقيات الدولية أمام الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والعالم كله، وصدر حكم المحكمة لصالحنا وإلى اليوم لم ينفذ.
أنت دخلت بيتي وحطمت الأبواب والشبابيك والكراسي وكل شيء موجود ودخلت غرفتي وبيتي، فعلى ماذا نتفاوض؟
*
تعني أنه بحكم الكفاح المشترك وقرب الشعبين يمكن أن يتم التقارب؟
-
نحن لا نتباهى بدعمنا لهم، وعلاقة الألفة موجودة بين الشعبين، الحكومات في الماضي قصرت ومع ذلك تعايشت شعوبنا منذ آلاف السنين، لا يمكن تجاهل ذلك، النسيج موجود لكن التقديرات السياسية التي أوصلتنا إلى هذه المشكلة يجب أن تراجع عبر احترام القانون والاتفاقيات، وإذا تم ذلك فلن تكون هناك أي مشكلة بيننا وبين إثيوبيا وشعبها.
المشكلة مفتعلة ولم تكن تستحق كل هذه التضحيات، المشكلة عندهم في الداخل وعليهم ألا يصدروا مشكلاتهم لنا، ولا يمكن أن تعتمد على الأميركان لتحل مشكلة داخلية، لا مانع من وجود علاقات طبيعية مع الأميركان لكن ليس مقبولاً أن تقوم من أجل إرضائهم بإقصاء فئات كبيرة من منطقتك وجيرانك كما حصل في الصومال، يعتقدون أن بإمكانهم فرض سلطتهم على الآخرين عبر الاعتماد على الخارج، نحن نقول إنه لا داعي لوجود طرف ثالث بيننا وبينهم، هناك علاقات تاريخية بين الشعبين يجب أن تقود الأمور إلى مجراها الصحيح من دون وسيط، الزمن كفيل بأنه مهما حاولت الحكومات والقوى السياسية أن تغير مجرى التاريخ فلابد أن يعود التاريخ إلى مجراه الصحيح.

«
التـقــــاريــــر الــــدوليــــــة تـشــــــوّه الحــقـــائـــق»
*
منذ 19 سنة وأكثر وأنتم بقيادة هذا البلد المناضل وتحقق خلالها الكثير، وشاهدنا الشعب والبلد والشوارع والمدن والأسواق والطرق ولمسنا التطور، ولكن هل أنتم راضون عن مسار الأوضاع في ظل ما يطرح عن وجود نسبة أمية عالية ومشكلات بالمنطقة وضغوط دولية عليكم من كل جانب، وهل أنتم مرتاحون لمستقبل إريتريا؟
-
أولاً، تصحيحاً للمعلومة، الأرقام تتحدث عن نفسها، الأمية قد لا تكون موجودة أصلاً، بالأرقام لو راجعتم وزارة التعليم فستجدون أنه في بداية التسعينات كان عدد الطلبة مع كل المدارس الموجودة لا يتجاوز 60 ألفاً، أما اليوم فلدينا أكثر من 800 ألف من المواطنين والشباب موجودين في المدارس، وتعليم الكبير ومحاولات محو الأمية بدأ منذ 40 سنة عندما كنا بالكفاح المسلح، حتى الكبار ممن تتجاوز أعمارهم الـ 60 دخلوا المدارس ضمن إطار محو الأمية، ومن ضمن المشروعات التي دعمتها الكويت عندنا كانت مشروعات التعليم، والمدارس منتشرة اليوم في كل المناطق لأننا نؤمن بأهمية التعليم والتنمية البشرية وبأن المواطن المتعلم أكثر فائدة لبلده حتى من الجنرال الذي لديه أسلحة وترسانة متطورة.
وعملياً، أرقام ما بعد الاستقلال لا يوجد نظير لها في إفريقيا أو حتى العالم العربي، ومن يشك بأن التعليم لدينا متدنٍّ ونسبة الأمية مرتفعة فسيكون قد قرأ الأمور بشكل عكسي.
والتعليم وحده ليس مقياساً، منذ 1991 ركزنا على أولوية التنمية البشرية والاستثمار في هذا المجال، الذي هو حتى أهم من الاستثمار في البنية التحتية ومشروعات الطاقة والأمن الغذائي والزراعة، وأنا أعتقد أنه نظراً إلى عددنا القليل فإنه عندما نتعلم يكون لكل فرد منا فاعلية 10 أشخاص.
قد تكون عندي موارد بترول وغاز وذهب وغيرها، ولكن بالنسبة إلى بلد صغير مثل إريتريا المورد الأساسي هو الطاقات البشرية التي ترتكز على التعليم، ومن دون التعليم لا يمكن تحقيق التنمية الاقتصادية وغيرها.
بالأمس كان وزير التنمية القومية يتحدث معي ويقول لي إن بعض مؤسسات الأمم المتحدة تقوم بقلب الحقائق، فقلت له اخرج بإعلان واضح بعيداً عن المهاترات السياسية وأثبت الحقيقة بالأرقام، وأنتم تعرفون أن التعليم في بلدنا مجاني، وهو من أولوياتنا حتى في المناطق النائية التي لم تصلها الماء والكهرباء بعد أن تتوافر فيها المدارس والكمبيوترات التي نقوم بتجميعها هنا ويتم تشغيلها وشحنها عبر الطاقة الشمسية.
وعلى مدى 20 عاماً نعمل على توفير الكهرباء والمياه والطرق والموانئ والمطارات، وقمنا بتشييد كل هذه المشروعات رغم الإمكانات المتواضعة، وبالمقارنة مع ظروف المنطقة التي نعيشها تعرفون حجم التقدم الذي حققناه، وأيضاً في ظل ما يثار عن المجاعة في القرن الإفريقي نحن لدينا اكتفاء ذاتي على مستوى الغذاء، وهناك أمور لا تتوافر لا في السودان ولا في إثيوبيا ولا كينيا ونحن نوفرها، ونحن لسنا بحاجة إلى مساعدة إنسانية بينما نعرف أن هناك معلومات عن توفير مساعدات لـ 10 إلى 14 مليون نسمة في كينيا لتفادي المجاعة، وكذلك في السودان وخاصة الجنوب، مشروعات التنمية عندنا متكاملة والأولويات واضحة.
ونأتي للحديث عن «أهداف الألفية» التي وضعتها الأمم المتحدة، إريتريا هي رقم 2 في إفريقيا على مستوى خدمات الصحة، لقد سيطرنا على الملاريا (قد تظهر بعض العوارض، ولكن لا وفيات)، وشبكة الخدمات الصحية عندنا حققت تقدما كبيراً، إذاً الأرقام تتحدث بعيداً عن أي تحريف سياسي.
وهذا لا يعني عموماً أننا أكملنا كل شيء، بل مازلنا في بداية بناء أسس لتنمية مستدامة في هذا البلد، والأرقام تشهد لنا في الصناعة والزراعة والخدمات الاجتماعية رغم شح الإمكانات، ويمكن القول إن وضعنا أفضل من غيرنا.

من أجواء اللقاء
*
قام التلفزيون الإريتري بتصوير اللقاء مع الرئيس واستمر اللقاء لأكثر من ساعة.
*
أعرب وفد «الأنباء» عن سعادته بزيارة إريتريا، مستذكراً مواقف قيادتها الصديقة والشقيقة في دعم الكويت بمواجهة الاحتلال الصدامي حتى قبل أن تنال إريتريا استقلالها.
وردّ الرئيس أفورقي بالقول: نحن نفتخر بهذا الموقف ولم يكن مجرد وقوف ضد اجتياح صدام، ولم ننس يوماً أن الكويت دعمت استقلالنا بالمال والسلاح والدبلوماسية، ولذلك كان موقفنا المبدئي.
صدام خرب الكويت والمنطقة وقام بأمور يستغربها الإنسان وكانت نتائجه كارثية وكان العالم العربي بغنى عن عمله البشع الذي جر الويلات، وكنا نعرف أن ذلك الاجتياح الذي أدنّاه واتخذنا موقفاً واضحاً ضده سيجر الويلات على المنطقة.
*
يؤكد الرئيس افورقي أن بلاده ترغب في أفضل العلاقات مع العالم العربي، لكنها غير مقتنعة بدخول الجامعة العربية لأن الجامعة لا تملك رؤية استراتيجية كمنظمة ولا تملك الآليات اللازمة لتنفيذ قراراتها
.

 

التعليق على الموضوع !
عنسبا دوت كوم ترحب بتعليقات القراء، وترجو من المشاركين التحلي بالموضوعية وتجنب الاساءات الشخصية والطائفية، ولن يتم نشر اي رد يحتوي شتائم. كما ترجو عنسبا من المعلقين ادخال الاسم الاول واسم العائلة واسم الدولة وتجنب الاسماء المستعارة, contact@ansaba.com