|
القرن الأفريقي: حروب
بالوكالة وتهويل بالتدخل الأطلسي
|
|
 |
|
|
عقيل
الشيخ حسين* 5/11/2009
من
القرصنة في مياه بحر العرب الى الوضع المتدهور في الصومال، ومن
التجاذبات الارترية الأثيوبية، الى الصدامات السودانية التشادية، مرورا
بمشكلات دارفور وجنوب السودان تشكل منطقة القرن الفريقي مجالا لصراعات
متشابكة ودامية تنبع من اسباب داخلية تغذيها تدخلات خارجية متضاربة ذات
أهداف استراتيجية اقتصادية وسياسية. ولا غرو، فالمنطقة تتمتع باهمية
استراتيجية كبرى لوقوعها على أهم طرق التجارة العالمية، النفطية خصوصا،
قريبا من باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس، إضافة الى كونها
تمتلك قدرات ضخمة على مستوى الثروات النفطية والطبيعية الأخرى، كما أن
مرور نهر النيل في قلب المنطقة، وأهمية هذا النهر في وقت تتفاقم فيه
أزمة المياه في العالم، يغذي أطماع بلدان كـ "اسرائيل"، ويدفعها الى
السعي من أجل إيجاد مرتكزات فيها. ولعل ظهور العديد من الحركات
والتجارب الإسلامية في منطقة تمدد عبرها الإسلام تاريخيا الى غرب
افريقيا هو من ابرز الأسباب التي تسهم في دفع الغربيين والإسرائيليين
الى تحشيد الجهود الهادفة الى تعزيز نفوذهم فيها، وفي غمار ذلك، تتصادم
المصالح الصينية المتصاعدة مع مصالح الغربيين الذين تفصلهم تناقضات
كتلك التي تضع الأمريكيين والفرنسيين في معسكرين غير متجانسين برغم
التفاهمات الشكلية.
وينتظم الصراع في منطقة القرن الإفريقي حول مجموعة من البؤر التي تقوم
على قضايا متفجرة داخل كل بلد، من جهة، وبين كل بلد ومحيطه الخارجي، من
جهة أخرى. فالبؤرة الصومالية مثلا، تفجرت كنتيجة لمساعي التغلغل
الأمريكي في أعقاب الحرب مع أثيوبيا حول اقليم أوغادين وسقوط نظام سياد
بري. لكن الأمريكيين الذين دخلوا عسكريا الى الصومال تحت مظلة الأمم
المتحدة اضطروا سريعا الى الإنسحاب بعد الضربات الموجعة التي تلقوها
عام 1994م.
لكن
انسحابهم لم يعن تخليهم عن غرضهم في الهيمنة على البلد او العمل من أجل
إغراقه في الفوضى في حال تعذر تلك الهيمنة. وقد تجلت هذه الاستراتيجية
في تغذية صراعات أمراء الحرب خلال ما يزيد على عقد من الزمن. ثم في
تقديم الجعم للحكومة المؤقتة في وجه تصاعد المد الإسلامي، ومن ثم في
دفع أثيوبيا الى غزو الصومال لإسقاط المحاكم الإسلامية. وبعد فشل الغزو
الإثيوبي وبروز حركات إسلامية أكثر تشدداً، نجح الأمريكيون في شق
المحاكم والتعاون مع جناحها المعتدل في تشكيل حكومة يبدو انها لن تصمد
طويلا أمام هجمات الحزب الإسلامي والشباب المجاهدين الذين سيطروا على
المناطق الجنوبية ووصل نفوذهم الى قلب العاصمة موغاديشو.
وفي
الوقت الذي بات من الواضح فيه أن من غير المجدي، أو الممكن، تحريك غزو
إثيوبي جديد لأسباب منها عجز اثيوبيا حتى عن لملمة مشكلاتها الداخلية،
يبدو أن الأمريكيين يتجهون نحو اسغلال ظاهرة القرصنة البحرية من أجل
الترويج لفكرة التدخل الأطلسي تحت ستار ضرب نقاط انطلاق القراصنة على
البر الصومالي، وبين هذا وذك، يجري الترويج لفكرة الدعم الارتري
للمسلحين الإسلاميين في الصومال، وكذلك لفكرة وصول آلاف المقاتلين
الإسلاميين من الخارج.
ولا
يقل اهتمام الولايات المتحدة بالصومال عن اهتمامها بالسودان، والأصابع
الأمريكية تتحرك في هذا البلد على ثلاثة محاور أولها التجاذبات القائمة
بين المعارضة والحكومة على مشارف الانتخابات العامة في تموز/يوليو.
وآخر الأخبار في هذا المجال إعلان قوى المعارضة أن الحكومة السودانية
تصبح حكومة غير شرعية فور الوصول الى الاستحقاق الانتخابي. أما المحور
الثاني فهو محور الجنوب. فالمعروف أن اتفاقية نيفاشا قد منجت الجنوب
حكما ذاتيا تمهيدا لاستفتاء حول تقرير المصير في العام 2011م. لكن
تجربة الحكم الذاتي تشيع الانطباع بأن هذا الحكم قد نقل المنطقة من
حالة التململ الراكد الى حالة التفجر وسط حروب قبلية متأججة تعجز
السلطات المحلية عن مواجهتها ولو بالحد الأدنى. ما ينذر باحتمال إنهيار
الاتفاقية والعودة بالاقليم الى نقطة الصفر.
أما
المحور الثالث في البؤرة السودانية فيتمثل بالصراع في دارفور. واذا كان
السودان قد تمكن من اجتياز قاطع ملاحقة البشير بسلام. فإن الخيار
الغربي، وهو خيار تضلع فيه فرنسا بدور بارز. يبدو متجها نحو تكرار
الخطأ الاثيوبي من خلال تشاد هذه المرة. فقد بات من الواضح أن الصراع
في دارفور قد تحول الى صراع شبه مباشر بين النظام السوداني والنظام
التشادي المدعوم من قبل الفرنسيين. فاذا كان السودانيون يدعمون
المعارضة التشادية المسلحة ضد نظام ادريس دبي، وهي المعارضة التي تمكنت
قواتها اكثر من مرة من اختراق تشاد وصولا الى العاصمة نجامينا. فإن
تشاد تقدم دعما مماثلا لمتمردي دارفور الذين قاموا أيضا باختراقات
مماثلة. لكن المعادلة لا تقف عند هذه الحدود لأن النظام التشادي
ومتمردي جارفور يحظيان بدعم غربي مطلق قد لا يكفي لتحقيق الأغراض،
الأمر الذي قد يفضي الى حرب تشادية سودانية مفتوحة قد يعقبها التمهيد،
كما في الصومال، للترويج الى ضرورة التدخل الأطلسي. لكن الأكيد ان هذا
التدخل يظل سابقا لأوانه ما دام أن الأطلسيين يمكنهم تجنيد قوى محلية
عديدة تحارب بالنيابة عنهم في السودان وتشاد واثيوبيا وكينيا... في ما
يخص القرن الإفريقي وقوى مشابهة أخرى في ما يخص لإفريقيا وسائر العالم.
* الانتقاد/ العدد 1348ـ 29 أيار/ مايو 2009 |