إصلاح جامعة الدول العربية خطوات على الطريق

 

بقلم:محمد صادق اسماعيل*
8/11/2009م

أزمات عديدة واجهتها أمتنا العربية على مدار تاريخها الطويل ولقد رافقت هذه الأزمات نشوء النظام العربي وتطوره حتى بدت الحاجة ملحة لوجود منظمة تكون بمثابة بيتاً عربياً يمكن عن طريقه لم الشمل العربي وانهاء أية خلافات قد تنشأ بين الدول العربية.و كانت هذا ايذانا بخروج جامعة الدول العربية إلى النور و الذى صاحبه امالا عريضة إلا أن الواقع كان شيئاً مختلفاً.

وفى هذا الإطار يمكن تناول بعدين ، الأول يتمثل في المتغيرات العربية والتي بدأت منذ نشأة الجامعة عام 1945 حيث جاء توقيت النشأة مع أحداث فارقة في تاريخ العالم العربي من الصراع العربي الأسرائيلي مروراً بحروبه العسكرية والدبلوماسية ثم الخلافات العربية العربية والتي كان أكثرها أحتداماً وصراعاً غزو العراق لدولة الكويت عام 1990 والذي مثل حدثاً فارقاً في النظام العربي وكان له تداعيات استمرت حتى يومنا هذا وما واكب ذلك من خلافات أخرى سواء تعلقت بالايديولوجية أو الأفكار أو المعتقدات أو الظروف الداخلية لكل دولة والتي تؤثر حتماً على علاقاتها الخارجية وخاصة دول الجوار

في ظل هذه الخلافات العربية قامت الجامعة العربية والتي تمثل كياناً مؤسسياً يتم من خلاله احتواء كافة الخلافات والأزمات التي تنشأ بين الدول أعضاء الجامعة بأدواراً تراوحت بين النجاح والاخفاق في انهاء هذه الخلافات.
البعد الأخر يتصل بالمتغيرات الاقليمية والدولية والتي تحدث على مستوى العالم وبالطبع يتأثر به النظام العربي كجزأ من النظام العالمي خاصة بعد إنتهاء عصر القطبية الثنائية والتحول إلى النظام العالمي الجديد وقيام الولايات المتحدة الأمريكية بأدواراً جديدة من خلال إعادة هيكلة للنظام الدولي وما تلى ذلك من هجمات الحادي عشر من سبتمبر وتوجيه اصابع الاتهامات إلى العرب، انتهاءً بالغزو الأمريكي للعراق واحتلاله، ووسط كافة هذه المتغيرات خاصة الأخيرة منها كانت الجامعة العربية مثاراً للانتقادات حيث تعالت الأصوات ما بين إصلاح الجامعة العربية وضرورة إعادة هيكلتها لتقوم بالدور التي قامت من من أجله وما بين إلغاء الجامعة العربية واعلان فشلها.

هذه المتغيرات العربية والدولية والتي أثرت على النظام العربي أدت إلى ضرورة طرح عدة مبادرات لتطوير عمل الجامعة العربية من خلال ثلاثة محاور. الأول جاء على المستوى الداخلي حيث جاءت المبادرة السعودية بالدعوة إلى ضرورة تحقيق الإصلاح الذاتي في الدول العربية بإعتبار ذلك منطلقاً لبناء القدرات العربية على المستوى القومي وتوفير شروط النهضة الشاملة إضافة إلى تطبيق المباديء التي يجب الإستناد اليها في ميثاق الإتحاد العربي المقترح ومنها مبدأ إشاعة الممارسات الديمقراطية وتعزيز مؤسساتها واحترام حقوق الانسان إضافة إلى عدم جواز الاستيلاء على الحكم بشكل غير دستوري أو عدم الاعتراف به وتجميد عضوية أي من الدول الأعضاء في حالة الوصول إلى الحكم فيها بطريقة غير دستورية ، وبجانب المبادرة الرسمية السعودية دعت الجامعة اللبنانية ممثلاً للمجتمع المدني إلى ضرورة وجود إرادة سياسية قوية تكون مرتبطة بمدى ما يتوفر من مناخ ديمقراطي وحماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية وتنبع تلك الإرادة من المجتمع السياسي بكل ما فيه من مشاركة سياسية في القرارات المصيرية ومن مجتمع مدني بكل مكوناته من منظمات وأحزاب ونقابات.

المحور الثاني يتعلق بإعادة بناء المؤسسات المكلفة بمهمة الوفاء بأهداف العمل العربي المشترك في مختلف الميادين إضافة إلى المقترحات الخاصة باستحداث مؤسسات جديدة بجانب تزويد المؤسسات القائمة بالصلاحيات الأساسية اللازمة لأداء مهامها بكفاءة وتمكينها من تحقيق عائد ملموس يخدم في النهاية مصالح الدول الأعضاء ويكفل تأييد المواطن العربي في كل دولة لمطلب التضامن العربي. وفيما يخص المؤسسات القائمة فقد جاءت الدعوة إلى اتخاذ خطوات وأسس نحو إعادة هيكلة الأمانة العامة حتى تتمكن من الإطلاع بمهامها وأحداث تطوير شامل في الجامعة العربية وتفعيل دورها بحيث يتلائم مع أهداف العمل العربي المشترك في المرحلة المقبلة ومواكبة المستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية، وفي سياق ذلك جاءت الدعوة إلى إنشاء العديد من المؤسسات والتي تساعد في تفعيل قيام الجامعة بدورها ومنها أنشاء برلمان عربي ينظم أسلوب مشاركة الشعوب العربية في ادارة الشأن العربي العام ، انشاء مجلس امن عربي ويكون بمثابة آلية للوقاية من النزاعات وادارتها وتسويتها ، وإقامة محكمة عدل عربية وهو اقتراح قديم يعود إلى عام 1964 إلا انه بحري تجديده دوريا ، انشاء مجلس أعلى للثقافة العربية يعمل على مواجهة التحديات الثقافية التي تواجه المجتمعات العربية وأخيراً تشكيل مجلس رؤساء الحكومات العربية إلى جانب المجالس الوزارية في القطاعات المختلفة
أما المحور الأخير فيشتمل على عدة مداخل يمكن أن تشكل المهام الوظيفية لجامعة الدول العربية والأجهزة التابعة لها في المرحلة القادمة ، جاء المدخل الاقتصادي في المقدمة حيث يعد هو الأكثر أهمية وملائمة لتطوير النظام العربي وتوفير قوة الدفع اللازمة للعمل العربي المشترك ومن ثم فقد تم التركيز على التكامل الاقتصادي العربي والعمل على ابتكار هياكل مؤسسية لهذا القطاع الهام كما أن هناك قطاعات تتطلب دفع التعاون مثل قطاعات الخدمات والاستثمار والزراعة والصناعة كما أن هناك أزمات ملحة تفرض نفسها على المجتمع العربي أهمها أزمة الغذاء التي ترتب آثارا سياسية واجتماعية كبيرة إضافة إلى أزمة المعرفة والتي تتصاعد تدريجياً مع اضطراد التقدم التكنولوجي في الدول المتقدمة وتراجعه في عالمنا العربي.
 
أما المدخل الثقافي فقد كان أمراً ملحاً حيث أن المبادرات المقدمة لتطوير الجامعة العربية قد جاء خالياً من تناول الجانب الثقافي ومن ثم فقد أولت الأمانة العامة للجامعة هذا الجانب أهمية خاصة لما له من آثاراً عديدة على المجتمعات العربية ومواطنيها . وفيما تتعلق بالمدخل العلمي والتكنولوجي فإن العالم العربي بأسره يعاني من مشكلة كبرى في توفير بنية اساسية صالحة للحاق بالثورة التكنولوجية والمعلوماتية التي يشهدها العالم المتقدم وليس هذا بسبب ضعف الإمكانيات أو نقص الخبرات بل نتيجة افتقاد الجدية وعليه فقد تم إعداد مشروع موازنة جماعية عربية تكون مهمتها تغطية الحاجات الجماعية العربية والتي لا تقوى دولة مستقلة على الوفاء بها ويأتي في مقدمتها الحاجة إلى التطور العلمي والانتقال إلى عصر التكنولوجيا إلى جانب الحاجة إلى الأمن.

وبالنسبة للمدخل الثالث وهو مدخل العلاقات الخارجية العربية فقد تم طرح مبادرة يتم من خلالها اعتماد اسلوب الدبلوماسية الجماعية كإطار لتنظيم العلاقات بين الدول العربية وبين القوي الاقليمية والدولية وقد كان لهذا المدخل اهمية خاصة وذلك لعدةاسباب منها التطورات الجارية حاليا في القضايا المصيرية العربية مثل فلسطين والعراق واهمية تقريب الخطاب العربي بشانها ، إقدام اثنين من دول الجوار الجغرافي علي طلب عضوية مراقب داخل الجامعة و هما تركيا و ايران ، إمكانية الاستفادة من هذه الالية الدبلوماسية الجماعية في توظيف القدرات الخاصة بكل دولة او مجموعة عربية في الاتجاه الصحيح .

اما المدخل الاخير فيتمثل في الجانب الامني وذلك نظراً لان تحقيق الامن العربي علي المستوي القطري والقومي هو محصلة لاي قدر من النجاح في المسارات السابقة وعليه فقد طرا علي المنطقة العربية عدة مشاهد بدا خلالها امكانية التجمع حول مفهوم جماعي للامن العربي ولم يقتصر الامر علي مقاومة التدخل الاجنبي بل امتد ايضا الي مقاومة النزاعات العدوانية من جانب بعض الدول العربية ضد البعض الاخر ومن ثم فتبدوا الحاجة الملحة الي جانب التعاون والتنسيق الامني ، ورغم ذلك فثمة معضلات امنية فرضت نفسها علي صناع القرارالعربي في هذه المرحلة التي تطرح فيها مبادرات التجديد والتطوير والتحديد للنظام العربي ككل منها حجم التدخل الاجنبي في المنطقة في صورة الاحتلال العسكري المباشر لدولة عربية ذات وزن في سابقة هي الاولي من نوعها منذ الحرب العالمية الثانية ويقترن ذلك مع حرص القوي الدولية الكبري علي السيطرة علي قرار الامن العربي والتحكم فيه باقصي درجة ممكنة اضافة الي ضعف الثقة المتبادلة بين النظم العربية والتي ربما كانت ناجمة اصلاً عن ضعف ثقة قائمة داخل كل نظام يقود في النهاية الي عدم الثقة بالمستقبل وكل ذلك يسهل من امكانية شراء الامن بدلاً من بناؤه . هذا الي جانب سعي بعض دول الجوار للحصول علي مواقع مراقب داخل جامعة الدول العربية وهي ( ايران – وتركيا – ارتريا) وقد شجع ذلك علي تقديم طلبات مماثلة من قبل دول اخري ، وعلي الرغم من هذا فان هذه الدول تعد اطرافاً في مشكلات خطيرة مع دول عربية وعلي سبيل المثال مشكلة يران مع الامارات ومشكلة المياه بين تركيا وسوريا ومشكلة السودان مع ارتريا واطراف اخري في القرن الافريقي وعلي الرغم من كل ذلك فان تحقيق الامن الاقتصادي والثقافي وتحقيق انجازات مهمة في بناء مجتمع المعرفة يمكن ان يدعم القدرات العربية في مجال الامن القومي .

وبعد هذا يمكن طرح رؤي مستقبلية نحو استشراق غد افضل لبيت العرب ورغم ذلك فثمه مفارقات كان لها اثر بالغ في تحديد مستقبل الجامعه اولي تلك المفارقات تمثلت في الفجوة بين القرار والتنفيذ ففي حوزة جامعة الدول العربية ترسانةهائلة من القرارات والمعاهدات والاتفاقيات ولكن الحصيلة في النهاية اشبه بالحصيلة الصفرية ومن ثم فان الجامعه لا تعاني من عجز في التصورات والمشاريع والافكار والمقترحات وانما تعاني من عجز حاد في القدرة علي التنفيذ وعلي الوفاء بما تعلنه او تلتزم به وهذا مما قد يطرح استفهاماً عريضاً علي سائر المحاولات التي تحسن الظن بالجامعه من سعي نحو تنفيذ القرارات . اما عن ثاني هذه المفارقات فهو ان عمل الجامعه العربية محاط بسقف القرارالرسمي العربي اذ ان الجامعة تدار بشكل رسمي مؤسسي داخل اطر وقوالب جامدة غير قابلة للحراك مما يسهم بشكل كبير فى تعطيل القرارات و تنفيذها . اما ثالث هذه المفارقات فتاتي علي خلفية الاحداث العالمية اذ انه في الوقت الذي يقوم فيه العالم بمحاولات التقدم والانصهار في بوتقة واحدة نجد ان العلاقات العربية العربية تتجه نحو التدهور والتآكل فعلاقات التوحد والاندماج بين الدول العربية بدلاً من ان تطلق العنان لتقارب عربي واضح نجد ان منحني العلاقات يتخذ اتجاهاً هبوطيا ً وهذا يمثل شذوذاً عن قاعدة سياسية عالمية اخطا العرب في فهم احكامها.
 
ان المحاولات القطرية لاصلاح النظام العربي وجامعته لم يعد ينطلق من من رؤي ايدلوجية تعمق مخاوف النظم العربية من بعضها بل صارت ضرورة من ضرورات الدفاع عن النفس ولا يخلوا وطننا العربي رغم الحصار المضروب حوله والهزائم المتوالية التي احاطت به من وثبات جديرة باهتمام كافة قادة العرب المسئولين عن تعبئة الروح القومية وتطويق بؤر الياس العربي خاصة من جهة اصلاح الجامعه العربية وقيامها بكافة ادوارها المنوط بها .
 
لقد قامت الجامعه العربية لتكون هيكلاً مؤسسياً يتم من خلاله تفعيل كافة اوجه العلاقات العربية العربية وتنشيطها والعمل علي رأب الصدع في تلك العلاقات واحتواء كافة ازمات العرب داخل كيان واحد دون أي تدخلات خارجية وعليه فان الامل في الاصلاح قائم ولم يصل الحال الي ياس عربي قاتم بل هناك امل عربي يتجدد نحو غد افضل لهم ولجامعتهم العربية شريطة ان يتخذ العرب من الاجراءات والوسائل ما يدفع الجامعة الي القيام بادوارها ، فلا يكفي القاء التهم جزافا علي بناء مؤسسي غير قادر علي الحراك بل يجب اعطاؤه كافة الصلاحيات و الامكانيات والتي تؤهله لتفعيل دوره وبعدها فلنحاسب الجامعة العربية عما قامت به سواء كان ذلك قياما بدورها كما ينبغي ان يكون او فشلاً في تحقيق ذلك .

* نقلا عن (موقع دنيا الرأي)

 

التعليق على الموضوع !
عنسبا دوت كوم ترحب بتعليقات القراء، وترجو من المشاركين التحلي بالموضوعية وتجنب الاساءات الشخصية والطائفية، ولن يتم نشر اي رد يحتوي شتائم. كما ترجو عنسبا من المعلقين ادخال الاسم الاول واسم العائلة واسم الدولة وتجنب الاسماء المستعارة, contact@ansaba.com