عبد الرزاق كرار*
عن
الامباسادور الأسترالية- عدد اكتوبر 2009
استمعت بإعجاب
شديد للمرافعة القيمة التي قدمها وزير الخزانة السابق روبرت كاستيلو اثناء تقديمه
لاستقالته من البرلمان الأسترالي بعد عشرون عاما قضاها بين ردهات مقر البرلمان منها
حوالي 12 عاما وزير للمالية في حكومة الأحرار السابقة بقياد جون هاورد.
والناس تتفق
وتختلف حول السياسيين عامة وكاستيلو على وجه الخصوص ، ذلك انه شخصية مثيرة للجدل
بتصريحاته ، ولكن لا أحد ينكر أنه الشخصية القوية طوال هذه المدة في حزب الأحرار ،
كما أن أدائه في وزارة الخزانة حفظ أستراليا خلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة ، حيث
تشير كافة المؤشرات إن الاقتصاد الأسترالي أقل تضررا من بين الدول الصناعية ، بل
حقق تقدم ملحوظ في النصف الأول من هذا العام بينما سجلت كافة المؤشرات العالمية
تراجعا بالمقابل.
ودور كاستيلو
في إرساء دعائم اقتصاد قوى لا ينكره حتى أنداده في حزب العمال الحاكم فقد شهد له كل
من رئيس الوزراء مستر رود ووزير الحزانة بان دور كاستيلو كان عظيما ومؤثرا في حفظ
الاقتصاد الأسترالي .
بيد إنه لا
إنجازات كاستيلو المعروفة للجميع ولا مواقفه وتصريحاته المثيرة للجدل هي السبب في
تناول في هذا المقام ، ولكن للتركيز على ما جاء في أسباب استقالته .
كلنا يعلم أن
استقالة كاستيلو من البرلمان جاءت وحزب الأحرار يعاني من أزمات متتالية . ليس أولها
الإيميلات المزورة بخصوص معاملة استثنائية خص بها وزير الخزانة تاجر السيارات في
مدينة ( Brisbane ) كمكافئة
له على دعم حملة كيفن راد ، وليس آخرها موقف الحزب من المصادقة على التعاطي مع
المتغيرات المناخية ، والتي من خلالها حشر الحزب الحاكم حزب الأحرار في زاوية ضيقة
عبر التلويح بانتخابات مبكرة ، في وقت اشارت فيه كافة استطلاعات الرأي تراجع حزب
الأحرار وخاصة رئيس الحزب ورئيس المعارضة مالكوم تيرمبل ، ولعل الكثيرون في حزب
الأحرار عزوا هذا التراجع الى شخصية زعيم المعارضة ، وبالتالي البحث عن بديل له كان
واحدة من المخارج لهذه الأزمة التي يبدو انها ستلازم الحزب لفترة من الوقت .
في هذه الظروف
برز اسم كاستيلو كمنقذ للحزب ، خاصة وأن الكثيرون يعتقدون أن الرجل من حقه أن يتبوأ
المقعد الأول بعد إن انتظر كثيرا في مقعد الرجل الثاني .
كان تبرير
الرجل لرفضه للعرض أنه خدم في المجال العام لفترة طويلة ومن حق الأجيال الجديدة ان
تساهم في الحياة العامة ، كما ان قبوله بقيادة الحزب يعني تلقائيا التزامه بقيادة
الحزب كمعارضة ومن ثم قيادته للانتخابات والتي اذا حقق فيها الفوز فإن الإلتزام
بالعمل العام سيكون لفترة أطول كرئيس وزراء .
ومن هنا فإن
ذلك أكبر من طاقته ، كما أنه حرمان لأجيال تتطلع للقيادة والعمل العام ، خاصة وأنه
أعطى كل ما يستطيع وليس هناك كثير يمكن أن يضيفه في هذا المجال .
ولأنني لا
أزال اسير واقع سياسي في عالمنا الآخر ، سرحت بمخيلتي إلى أولئك الزعماء الذين لا
يزالون يتشبثون بموقع القيادة ، دون إختيار من الجماهير ، وكأنهم ولدوا للقيادة ،
وأنها حق إلهي لهم ، طافت مخيلتي على أولئك الموجودين على السلطة لفترة تتراوح بين
نصف الأربعين والعشرين عاما في السلطة ، وبطبيعة الحال لا كبير قيادة الأحزاب
والتنظيمات المعارضة والمجال ليس مجال ذكر امثلة لأنها معلومة للجميع .
تخيلت لو أن
هؤلاء جاءوا باختيار شعوبهم هل كانوا سيتنازلون فقط لأن اجيال جديدة تستحق أن تقود
لأنه ببساطة عصر جديد ، الإجابة بالطبع لا تحتاج إلى ذكاء كبير .
شكرا كاستيلو
وحظاً موفقاً في القطاع الخاص ، الذي قررت ان يكون محطتك التالية ، كل ما نريده هو
بعض كاستيلو في عالمنا ، ولكن حتى الأمنيات في ذلك العالم حكرا على القيادة .
* ناشط سياسي مقيم
بأستراليا