انقسامات العرب...
الدينية والإثنية
|
 |
|
|
الاتحاد_
د. رضوان السيد
السبت 13 فبراير 2010
لفتت انتباهي في أحداث الأُسبوع الماضي وأخباره أربعة أُمور:
الاتّفاقُ على وقْف إطلاق النار بين الحكومة اليمنية والحوثيين، وتصريح أحد زعماء
جنوب السودان أنّ إريتريا وهي أقلُّ موارد من منطقة جنوب السودان استطاعت الصمودَ
دولةً متماسكة، وانقسام الموارنة في لبنان في الذكرى الألف والستمائة على وفاة
مؤسِّس طائفتهم "مار مارون" بين مُحتفٍ بتلك الذكرى في كاتدرائية الطائفة بقلب
بيروت ومُحْتفين آخرين بالذكرى نفسها في قريةٍ على مقربةٍ من حلب بالشمال السوري،
واستمرار التجاذبات ضمن الانقسام الفلسطيني.
في الخبر الأول بشأن النزاع بين السلطة اليمنية، والمتمردين
الحوثيين؛ تبرز عدةُ مسائل؛ أهمُّها أنّ الحرب الأخيرة بين الطرفين هي السادسةُ في
سلسلة الحروب منذ عام 2003. وقد كلفت الحروبُ اليمن الدولةَ العربية الفقيرة أكثر
من خمسين ألف قتيل، وتهجير حوالي رُبع مليون من الفقراء والمعذَّبين، وخراباً لا
يقلُّ عن خراب الزلازل المهولة. وما فهمنا حتى اليوم الأسباب الحقيقية أو المعقولة
للتمرد سالف الذكر. إنما يُصرُّ قادةُ هذا التمرد على أمرين: أنهم يريدون النضال
ضدَّ أميركا وإسرائيل، وأنهم شيعةٌ مضطَهدون! وكلا الدعْويين غير مُقْنعةٍ ولا
شواهدَ عليها. فاليمن بعيدةٌ عن إسرائيل وبعيدةٌ عن الولايات المتحدة، كما أنّ رئيس
جمهوريتها هو من الطائفة الشيعية الزيدية، وكذلك الأمر مع قسم كبيرٍ من قادة الجيش
والنظام. لكنَّ الذي لا شكَّ فيه، أنّ التحشُّد والتجمُّع لدى الحوثيين أساسُهُ
بالفعل الانتماءُ إلى الطائفة الزيدية. لذلك، وبالنظر للنتائج المُفْجعة للحرب، لا
بُدَّ أن نأخذ أساس هذا التجمع بالاعتبار. فهذا الانقسام المستجدّ الذي ظهر ضمن
المجتمع اليمني، وضمن الجماعة الزيدية العريقة باليمن؛ ينمُّ عن وعيٍ مذهبيٍ ثائر
وانفصالي عرفْنا مثيلاً له في العقد الأخير في العراق ولبنان وإلى حدٍ ما بالكويت.
وإذا نظرْنا في الشعارات المرفوعة نجدُها متشابهة في العديد من جوانبها،
فالمُهمُّ أنّ هناك وعياً مستجداً يتركّزُ في الإحساس بخصوصيةٍ
مذهبيةٍ تُطِلُّ برأْسها بقوةٍ، وتخترق الجماعات الشيعية في الوطن العربي وبعض
بلدان العالم الإسلامي. وهذا تطوُّرٌ جديدٌ لا يُفيدُ في فهمه القول بأنّ هذا
النظام أو ذاك ما أَحسَنَ إدارة التمايُزات الداخلية، ولا أنّ هناك فئاتٍ أو
أحزاباً سُنيةً تستندُ في معارضتها إلى الدعم الخارجي. لقد كانت هناك دائماً
تمايُزاتٌ ونزاعاتٌ ملحوظة أو غير ملحوظة بين متشدّدين من السنة والشيعة. لكنّ هذه
"الفِصامية السياسية" النافرة على أساس مذهبي ظاهرةٌ جديدةٌ في العالمين العربي
والإسلامي، إذ تترتبُ عليها نتائج اجتماعيةٌ وأُخرى سياسية ماعاد يمكن إنكارُها؛ بل
لابُدَّ من فهمها وتدبُّر مُجرياتها من أجل المصير إلى معالجتها.
وتختلط في النزاع بين شمال السودان وجنوبه العواملُ الدينيةُ
والإثنيةُ والجهوية. ولا شكَّ أنّ الاضطراب في الإدارة السودانية، وتكرار استيلاء
العسكريين على السلطة هناك، وقلة التبصُّر- بسبب الصراع على السلطة- بين الأحزاب
السودانية... كُلُّ ذلك أَسهمَ في تأجيج النزاع. لكنّ العامل الدولي في تنمية
الانقسام ما عاد إنكارُهُ ممكناً، ونحن نشهدُ مُجرياته كلَّ يوم. فمنذ زمنٍ تريد
جماعاتٌ مسيحيةٌ كاثوليكيةٌ وبروتستانتيةٌ في بريطانيا والولايات المتحدة، أن ينفصل
الجنوب عن الشمال. وقد نمَّى ظهورُ البترول في مناطقَ يتداخلُ فيها الشمالُ
والجنوبُ هذه النزعة؛ باعتبار أنّ جنوب السودان صار يمتلك مواردَ تؤهِّلُهُ
للاستقلال عن الشمال. وهذا ما يكرِّرُهُ قادةُ الحركة الشعبية (الجنوبية) على مشارف
الانتخابات. ويعني ذلك أنّ مقوِّمات الدولة صارت جاهزة: البقعة الجغرافية، والموارد
المُتاحة، ووجود إثنيات قَبَلية مختلفة عن تلك التي بالشمال، وغلبة المسيحية
والإحيائية على تلك البُقعة. بيد أنّ ما يقولُهُ زعماءً "الحركة الشعبية" ليس
دقيقاً كُلَّه. فثُلُثُ قبائل الجنوب تعتنقُ الإسلام. وهناك صراعٌ قَبَليٌّ كبير
بين القبائل المسيحية والإحيائية. بينما توجد أكثريةٌ إثنيةٌ واحدةٌ هي"التغري" في
إريتريا، كما توجَدُ أكثريةٌ إسلامية. وقد دعمت التنظيماتُ الإنجيليةُ العالمية
الحركة التحريرية الماركسية التي قادها أسياس أفورقي، كما دعمتها إسرائيل لأنها
مُعاديةٌ للعرب؛ وذلك في وجه الحركة التحريرية الأُمّ (بقيادة عثمان صالح سِبّي)
لأنها كانت ذات ميولٍ عربية. وهؤلاء ما كانوا يريدون أن يبقى للعرب والإسلام نفوذٌ
في القرن الإفريقي. وبانفصال جنوب السودان عن شماله يصبح العرب والمسلمون أضعَف
أكثر وبخاصةٍ مصر، لوقوع منابع النيل في مناطق بإثيوبيا ومنطقة البحيرات ومرور بعض
تلك الأنهار في جنوب السودان.
ومن ذلك أَصِلُ إلى ثلاث نتائج: ازدياد الانقسام داخل العالم العربي
لأسبابٍ إثنيةٍ ومذهبيةٍ ودينية، وازدياد الحصار على العرب عبر الدعوات والمشاريع
الانفصالية، ووقوف التدخلات الدولية والإقليمية وراء هاتين الظاهرتين أو النتيجتين.
وتحضُرُ هذه الأسبابُ كُلُّها في الانقسامين الجاريين أو
المستمرَّين في فلسطين ولبنان. لكنْ في فلسطين كما في لبنان هناك أَمْرٌ إضافيٌّ
لابُدَّ من أَخْذه في الاعتبار. فصحيحٌ أنّ الانقسام بين "فتح" و"حماس" أساسُهُ
الرؤى المختلفة لعملية السلام مع إسرائيل. وصحيحٌ أيضاً أنّ الإسرائيليين
وحُلفاءَهم في العالم سرَّهُم الانقسام الفلسطيني، وأعانوا عليه. لكنْ هناك العامل
الإضافيُّ في استمرار الانقسام الفلسطيني وهو الخلافات العربية، ودعْم بعض الأطراف
العربية لـ"فتح" والبعض الآخر لـ"حماس". وقد حاولت مصر، والسعودية أيضاً، طَوالَ
السنوات الثلاث الماضية إنْهاءَ هذا الانقسام، فحالت خلافات كثيرة دون ذلك. وإذا
عَذَرْنا العرب وجامعتهم لأنهم لا يستطيعون أو لا يحاولون التدخُّل بين السودانيين،
شمالاً وجنوباً، ولا يستطيعون أو لا يحاولون إنقاذ الصومال... فإنه لاعُذْرَ لأحدٍ
فيما حدث ويحدث بين الفلسطينيين منذ وفاة عرفات.
والأَمْرُ نفسُه يمكن قَولُهُ الآن عمّا يحدُثُ بين المسيحيين
اللبنانيين. فالمعروف أنّ المسيحيين العرب قلقون إلى أبعد الحدود على مصيرهم.
ولبنانُ ببنيته المعروفة، ومواقعهم المتقدمة فيه تاريخياً، نموذجٌ وأَمَلٌ لهم.
ولذا لا يكونُ مفهوماً أن تُوافق سوريا- فضلاً عن أن تدفع- باتّجاه قسمة المسيحيين
في لبنان إلى فريقين، لا يختلفان في السياسة وحسْب؛ بل وفي الدين أيضاً. فليس
معروفاً عن الجنرال عون الاهتمام بالشأن الديني، وكذلك الرئيس السابق لحود، والوزير
سليمان فرنجية. لكنّ الثلاثة قادوا حشداً من المُحازبين إلى سوريا للاحتفاء
بالقدّيس مارون وبالمسيحية المشرقية! وقد يعرفُ الجمهور العربي المسلم أو لا يعرف
أن المسيحية (الكاثوليكية على الخصوص) غير ممكنة خارج الكنيسة التي يقودُها رجالُ
الدين فيها وعلى رأسهم البطرك، الذي كان يحتفي في الوقت نفسِه بقدّيس الطائفة
المارونية في كنيسة الموارنة بوسط بيروت. وفي القُداس نفسِه قال مطران بيروت
للموارنة: لقد حَمّلنا بيروت وحمَّلنا مُسْلميها طَوالَ العقود الماضية أوزاراً
وأعباءً ما كان أغنانا وأغناهم وأغنى المدينة عنها! لقد انتصرت سوريا في لبنان خلال
العقود الماضية لفريقٍ مسيحيٍ على فريقٍ آخَر في الشأن السياسي. وهذا أمرٌ قد يمكن
فَهْمُهُ، أما أن تُسهمَ في انقسامٍ دينيٍ أو رمزيٍ بين مسيحيي لبنان؛ فهو الأَمْرُ
الذي لا يمكنُ فهمُه.
وقبل أشهُر عقدت مجلة "الشؤون الخارجية" الأميركية ندوةً بشأن طبيعة
النزاعات في القرن الحادي والعشرين، وهل هي دينية أم إثنية، أو هل يتقدم فيها
الديني على الإثني أم العكس. وأياً يكن ما توصل الاستراتيجيون الأميركيون إليه؛
فإنّ البلاء النازل بالأمة العربية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين:
اجتماعُ الاختلافين عليها؛ الديني والإثني. ولاحول ولا قوة إلاّ بالله.