رحيق المنابر_8_ عيد الحب
 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

25/2/2010

 الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا انه من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ونصلي ونسلم على من بعثه رحمة للعالمين وحجة الله علي الخلق أجمعين و، ونشهد أنه بلغ الرسالة وأدي الأمانة ونصح الأمة وكشف الغمة وتركنا علي المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها الا هالك

أما بعد :                                                                                                    في منتصف فبراير من كل عام يحتفل العالم بما أطلق عليه ( عيد الحب ) وأنا لست في حاجة لأضيع وقتكم السمين في سرد قصة ذالك [القسيس] الذي إستحق أن يكون ملهم العشاق معاني الحب ومراميه ولكن دعونا ننظر الي قيمة الحب في ديننا ، ونصيبنا من هذا الحب .

المسلم ينبوع الحب :

 نعم المسلم ينبوع الحب لأن حبه نابع من حب الله ورسوله ، بل المسلم يحب الكون ويحبه الكون كما قال صلى الله عليه وسلم: ( أحد جبل يحبنا ونحبه ) فهو متناغم مع الكون في الإستجابة لخالق الكون فقد خضع الكون طوعا او كرها لله رب العالمين ، أما المسلم فقد خضع لله طوعا وحبا ورغبة وإختار أن يكون عبدا خاضعا ذليلا لرب الأرض والسموات ، وخضوعه لربه يحتم عليه أن يعمل بمراد الله وان ينفذ شرع الله في نفسه ويدعوا له غيره ، وبذالك يكون أكثر إنسجاما مع الفطرة وتناغما مع الكون ، والله تعالي يريد منا أن نبذر بذور الخير وأن نقدم الحب للناس وكان نبينا عليه الصلاة والسلام يقول: ( اللهم إني أسألك حبك وحب من أحبك ، وحب العمل الذي يقربني الي حبك ) أما غير المسلم فقد يتعلق قلبه بغير الله ويتيه ويهيم فيه حبا ووجدا أما المسلم كما قال الله تعالي:  ( ومن الناس من يتخذ من دون الله اندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا اشد حبا لله )

لا يكتمل إيمان المؤمن الا بحب سيد المحبين :

فهذا عمر ينظر الي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فيمتلئ قلبه حبا لرسول الله فيبدي ذالك الحب فيقول له : لأنت أحب اليَ من كل شيئ إلا من نفسي ، فقال – صلى الله عليه وسلم - : لا يا عمر حتي اكون أحب اليك من نفسك ، فقال عمر : والله يا رسول الله لأنت أحب اليَ من كل شيئ حتي من نفسي فقال صلى الله عليه وسلم الآن يا عمر ) اي الآن إكتمل إيمانك يا عمر، ولا يتذوق المؤمن حلاوة الإيمان إلاَ إذا كان الله وسوله أحب اليه مما سواهما .

حب المؤمنيين:

1- قد تضافرت الآيات والأحاديث بالحث على حب المؤمنين ، وجعل الله جزاء المتحابين ظل ظليلا في يوم الحر وماء ريا يوم العطش وإكرام المرء يوم الإهانة ورفع  الدرجات يوم الخفض ، ويكفي تأمل هذا الحديث الرائع الجميل، قال صلى الله عليه وسلم : " إن رجلا زار أخا له في الله،  فأرصد الله له ملكا فقال أين تريد.؟

قال: أريد أن أزور أخي فلانا.

فقال: لحاجة لك عنده؟ قال : لا. قال:  فيم .. قال : أحبه في الله.

قال: فإن الله أرسلني إليك أخبرك بأنه يحبك لحبك إياه وقد أوجب لك الجنة

المهم أن تكون المحبة خالصة لله لا يراد بها إلا وجهه الكريم، حب خالٍ من أي أغراض، خال من كل شوائب الدنيا، حب لا يقوم على الإعجاب بشخص لموهبة عظيمة  يمتلكها أو هيئة جميلة  يتسم بها أو حديث ممتع يهرف به أو مصلحة قائمة يملكها ، بل  حب يقوم على التقوى والصلاح، ويولد ويكبر في طريق الإيمان والإحسان، فبحب الله ورسوله نحب، وببغض الله ورسوله نبغض

1- بيوتنا والحب : قرأت جل ما كتب في هذه الفترة عن حرمة عيد الحب ، وذالك لأسباب عديدة ومن أراد الرجوع للفتاوي والتحليلات موجودة في كل المواقع الإسلامية المختلفة ، ولكن هل لنا أن نستفيد من هذا الحدث الذي احتفل به بعض المسلمون حتي في بعض حواضر العالم الإسلامي ، وقد رايت هنا في بريطانيا بعض الكليات والمدارس قد توشحت بالألوان الحمراء التي ترمز الي عيد الحب وكان الآفت للنظر أن جل الألوان كانت اغطية راس ( حجاب ) لفتيات مسلمات ، وقد رأيت تبادل الكروت والورود والرسائل النصية القصيرة وغيرها من مظاهر الإحتفال وقد كان الإهتمام بهذا العيد قبل خمس سنوات ليس بهذا الزخم المتنامي ،فهل الدافع لإندفاع  الشباب المسلم للإحتفال بهذا العيد سببه تقليد الكفار أم التعطش للعاطفة والحب ؟  هل أخذ كل طفل في بيوتنا نصيبه وقسطه من العاطفة الأبوية التي اروت عطشه وشفت غليلة أم ما زال عطشانا يلهث يقول : ربنا اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، قد ينظر من هو قليل التجربة مع عالم الطفولة ودنيا الشباب الى هذا السؤال ببساطة شديدة ولكن الأمر أعقد مما نتصور لأن العاطفة تتحكم في كثير من تصرفاتنا ، وانا اعمل مع الشباب فترة طويلة وكذالك اقوم بتدريس فتيان وفتيات في عمر المراهقة ويقول لي بعضهم والله يا أستاذ أنا احبك اكثر من أبي ، وانا اعرف السبب أن هذا الشاب لم ير وجه ابيه يتهلل ولا أسنانه تبرق ولا كلماته تلامس بنداوتها شغاف القلوب بل العكس الأب الذي قد تجده يتبسم في جميع وجوه الخلق إذا خاطب ابنه يخاطبه والشرر يطاير من عينيه وكل كلامه اوامربدل التحاور وتهديد بدل الهدية  ووعيد بدل العيد وتكشير بدل التبشير

فكيف بالله عليكم لا يهتم شبابنا بعيد الحب ؟ كأنه يقول لوالديه: تعلما من( فلنتاين) فأنا أحتاج الي الحب أكثر من إحتياجي للمال والطعام .

2- أو طاننا والحب : كانت ميسون بنت بحدل تعيش في موطنها راضية بشظف عيشه وصعوبة طقسه وقسوة بداوته فتزوجت أهل الثراء والتنعم  وتركت موطنها الى موطن أفضل تتوفر فيه حياة كريمة بل اكثر من كريمة حيث القصر المشيد والجنائن الغناء التي اشتهرت بها غوطة دمشق ، وكن كل ذالك لم ينسها حب وطنها فقالت :.

لبيـــت تخـــفـق الأرواح فـــية            أحب إلى من قصــر مــــــنيف

ولبــس عــباءة وتــقـر عينـــي            أحب إلى من لبــس الشــــفوف

وكلــب ينبــح الطــريق دونــي            أحب إلى من قــط ألــــــــــوف

وأكـل كســيرة فــي كسـر بيتي            أحب إلى من أكـل الـرغـــــيف

وأصـوات الـرياح فــي كل فج             أحب إلى من نــقر الـدفـــــوف

وبــكر يتـبع الأظــعان صــعب            أحب إلى من بغـل زفــوف

وخـرق من بـني عــمي نحـيف            أحب إلى من علــــج عــنيــــف

خشونة عيشتي في البدو أشهى            إلى نفسي من العيش الظـريـف

فـما أبــغي سـوى وطني بديــلاُ            فحسبي ذاك من وطن شريـف

ما نصيب أوطاننا من الحب ؟ هل شعارات حب الوطن ونداءات عشق الوطن حببت إلينا أوطاننا ؟ مع العلم أن الوطن من الناحية الفطرية يحب فكل إمرئ اسير مسقط رأسه وموطن صباه ومرابع أبائه وأجداده ولكن الوطن كالأشخاص إن ا أساء اليك قليته فما فائدة وطن أشبه ببيوت الأشباح؟ تعيش فيه وأنت تلتفت حولك يتملكك الرعب والخوف والهلع تنظر  في كل محيطك بل تخاف من نفسك علي نفسك ، حيث يطلب منك الأعتراف والشهادة علي مكنونان نفسك ولمم قلبك ، تخاف في بيتك من زوجتك وإبنك الكل خائف والكل خوف الكل مرعوب والكل رعب ، وطن يبني السجون ويوسع المعتقلات ويستورد بدل الدقيق اجهزة القمع ويدرب بدل الطلاب أجهزة المخابرات ويزرع بدل الحبوب الخوف  وبدل الحب الحقد وبدل الرحمة الكراهية ، حتي لا يجد الإنسان ما يمكن أن يتمثل به إلا قول الشاعر :

يقيني بأن الموت خير من الفـقـر             وقفت وقوف الشك ثم استمـر بـي

فودعت من أهلي وبالقلـب مـا بـه              وسرت عن الأوطان في طلب اليسر

وباكية للبين قلت لـهـا اصـبـري                    فللموت خير من حياة علي عسر

سأكسب مـالاً أو أمـوت بـبـلـدة              يقل بها فيض الدموع علي قبريٍ

إن كان لابد من أرض ومن وطن                  فحيث آمن من القي ويأمنني.

ولو جاءت( ميسون) الي دنيانا المعاصرة وعاشت في بلداننا لركبت اهوال الدنيا ولخاطرت بحياتها في رمال الصحراء وأمواج البحار حتي تهرب من بلدها التي كانت تزرف دمعا كل يوم شوقا اليه ، الوطن لا يحب الا اذا حفظت فيه الكرامة وتوفر فيه الأمن ، ونقول لمن يطالب شعوبه بحب الوطن: أنت من نزعت القلوب المٌحبة من مواضعها أرجع لي قلبي أحب وطني والا لو قسوت عليك غدا فلا تلومني بل لم نفسك !.

إخواني وأخواتي اكتفي من خطبة اليوم بهذا القدر ولنا عودة إنشاء الله الي حب الوطن والذود عن حماه  ورفع مكانته والسعي لإزدهاره وتقدمه فللأوطان في يد كل حر يد سلفت أو دين مستحق ، اللهم إجعل بلدنا رخاءا سخاءا وسائر بلاد المسلمين .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته والي خطبة قادمة  إنشاء الله ,

اخوكم / محمد جمعة

Mja741@hotmail.com

 

 

التعليق على الموضوع !
عنسبا دوت كوم ترحب بتعليقات القراء، وترجو من المشاركين التحلي بالموضوعية وتجنب الاساءات الشخصية والطائفية، ولن يتم نشر اي رد يحتوي شتائم. كما ترجو عنسبا من المعلقين ادخال الاسم الاول واسم العائلة واسم الدولة وتجنب الاسماء المستعارة, contact@ansaba.com