فى حـــيًنـا فـدائى
قـصًة فدائى من جبهـة التحرير الإرترية

يوم تصوير مشــاهد العملية الفدائية

19 مايو/ أيار 2010م

يحكيهـا:
عبد الفتـاخ ود الخليفة
بورتن

المملكة المتحدة

الجزء الرابع

قبل البدء فى حيثيات الحلقة أشكر كلً اللّذين أمطرونى بالرسائل من يشكرنى لأنّى أعدتُ له ذاكرته,ومن مدّنى بمعلومة, ومن يطلب منّى الإسهاب أكثر فى  شرح بعض المواقف سوف أعود لها ولهم جميعا فى نهاية الحلقـات,وشكرا خاص للأستاذ يسين إدريس................

فى صبيحة اليوم الثانى للعملية ذهـبنــا والأطــفال إلى المدرسة وفى  ذاك الزمن كــان الفصل الأول والثــانى الإبتدائى  للأولاد فى داخل مبنى مدرسة البنــات الإبتدائية وهـى نفس المدرسة الًتى درس فيهــا عملاق التعليم الأستاذ صـالح محمّد محمود,والمـنــاضل صالح إيــاى,والمناضل محمّد سعيد (عنططا) والمنــاضل محمّد عمر يحيى, والأستاذ صالح حمدى, والأستاذ عثمان عمران وكثيرمن أعيــان المدينة ورموزهــا مثل الدكتور أحمد عبيد,والأستــاذ يوسف نبراى,والأستــاذ إبراهيم شدى,والأستـاذ محمد أحمد إدريس نور,والأستاذ إدريس أبوبكر الحاج مصطفى(كرّيش) والعم الأستــاذ حــامد على دنكلى أمّـا فى عهدنــا كــان العم, والمدير الأستــاذ نور أحمد سرق برهــان, والّذى أتى بديلا للأستاذ المخضرم سليمــان عبــاسى.

كــان فى الصبــاح الباكريلقى علينــا الأستــاذ (محمد جمع)  درس الصّباح وأول حصّة كــانت المطــالعة فى اللّغة العربية, ومن كتاب المطــالعة (كتاب الأطفــال)  من مؤسسة بخت الرّضا التعليمية بالسودان ومن أول يوم ملّك كلّ طــالب نسخة من الكتاب الّذى حفرت كلّ مواده فى أذهــاننا لزمن طويل مثل ( الولد والجمل ,وكريت مــالهــا أبت تمشى إلى البيت).

ثمّ أبت نفس الملك المفدى وإلا أن يعلّمنــا لغة الملوك (الأمحرا) ففوجئنــا فى صباح يوم من أيــام الدراسة بمعلّمة بمعيّة الأستــاذ نور أحمد) وبعد أن أدى تحية الصّباح,ولدواعى الإنضبــاط طلب منّا القيام ثمّ الجلوس مرّتين قيــام جلوس.... قيــام جلوس... ثمّ قــال: هذه المعلًمة (زوديتو ) أتت من أديس أبابا لتعلّمكم (الأمحرنية) من اليوم فصــاعدا سوف تقوم بواجب حصّة اللّغة الأمحراوية ثمّ ومن عجائب الأمور, إلتفت إليهــا الأستــاذ نور وهمس إليهــا باللّغة الإنجليزية لأنّه لا يعرف (الأمحرنية)

ثمّ جــاء دورهــا لتنحنى كمــا يفعل(الأحبــاش) عــادة عند التحيّةو تحيّ وتقول (إنديت أدراشو) والمعنى صبــاحكم خير

,وأذكر هـى وزوجها (تسفاىّ) ومعلم العلوم (فــانتاهن أبقــاز) فى زمن لاحق سكنو فى حلّة سودان فى منــازل العم(قبرى طمّــاع) بالقرب من( آل بــاهو) ومنزل (آل جبريل الثّـانى), وأذكر أيضــا أن فى ذاك العــام أو العــام الّذى يليه كــانت هــنـاك مظــاهرة عــارمة للطلبة فى كرن,فهجمت مجموعة من الطّـالبات على المعلّمة زوديتو وأشبعنهــا ضربــا فلم يشفع لهــا وضعهــا وهى حــامل,والأختين الّتين قمن بواجب الضّرب يعشن فى  فى أمريكــا  على حسب علمى.

المعلّمة زوديتو هذه حسّت أن الطلبة يتململون فى حصّتهــا لغرابة اللّغة عليهم لأنّهــا قطعــا لم تكن لغة الشّارع,ولا لغة البيت,فقلبت الموضوع أنــاشيد بالأمحرنية,وركّزت على نشيد يمجّد الملك ويزرع حبّ إثيوبيا فى قلوب الأطفال النّاشئين.

ربّمــا كــانو يخطّطون,لنكون البراعم الّتى تستقبل (هـيلى قمــام) عند زيــارته إلى إرتريــا, وأنّ مشروع الوحدة, وحدة إرتريــا مع (أمّهـا إثيوبيــا) تخطو خطــا حثيثة, التدريس كــان حتى الساعة الثانية عشرة منتصف النّهــار(عشنــا وشفنــا!! فوجئنا بالمعلّمة الأمحراوية(زوديتو) تقول ذات مرّة أنّ الساعة السادسة تماماوتعلن نهاية اليوم الدراسى مشكلتنا مع(زوديتو)لم تكن اللّغة فقط حتى حســاب الزمن عندهم مختلف  وهكذا مختلفين فى كلّ شيئ!!!!!

 المهم فى الأمر تطلب منّا المعلّمة (زوديتو) أن نسمعها النّشيد إياه ,حتى تختبر إستيعابنا للغتها ومدى إستعدادنا للقاء (هيلى قمام ) فى كرن ,وفعلا طلب منّا فى يوم من تلك الأيّام أن نصطفّ من(الجيرا فيورى)وحتى (لفورتو) وننشد نشيد (زوديتو) من الصباح الباكر حتى بحّ صوتنا حاملين علما إثيوبيا من الحجم الصّغير مثبّت على قطعة خشب بحجم المسطرة,وملكنا المفدى لم يأتى إلآ فى  الظهر وبعد أن مللنا الإنتظار.

أحمد محمود أمــان طه (شقير) لا أدرى لمــاذا خرج من المدرسة مبكّرا ونحن خروج  فإذا به يتّجه من ال(جيرا فيورى) وهــو يهرول إتّجــاه (ســانتــا أنتونيو), يــقابله بعض الشباب ويسألوه:

(شقير) ميتو مى بلستكّا (لمــاذا تعود)؟؟؟؟

يقول أحمد(شقير) لجبهتى  لجبهتى ديب أجيب أمطعو وصوّرو هلّو

أنّ الشرطة أحضرت الجبهتى إلى محطّة (أجيب) ويصوّرونه وممنوع المرور أو الإقتراب من أجيب, والنَاس كلهــا تسلك من (الجيرا فيورى شمــالا بإتّجــاه روشــان ريبا من جــانب سوبر مــاركت(الإيطــالى سنتينى) إلى سوق الدجــاج( والمحــاز) الوادى وسوق عطىى لقديم( سوق الحطب القديم) ومنه يسلكون أمّــا الطريق المؤدى إلى السجن العمومى(دجــانــا) إلى  عد حبــاب وعد عقب,ثمّ عن طريق عد عقب ينضمّون إلى الشّارع الرئيسى (شــارع كتْرامْ) المتّجه إلى أسمرا إلى بقيّة الأحيــاء, وإمّــا من سوق الدجــاج  عبر الوادى (المحــاز) تــاركين الكبرى الكبير والمبنى على الشّــارع المسفلت والملاصق لمحطّة (أجيب) يمينــا بمحــازات الطريق المسفلت ثمّ الإنضمــام إلى الطريق .

ومــا كــان منّــا إلا أن سلكنــا من الجيرا فيّورى إلى الطريق المؤدى إلى ملعب كرة القدم(جوكو) وعبره إلى آل درار على شيخ لنشــاهد مــا تبقى من مشــاهد التصوير, من مسافة ونحن نعبر الوادى(المحــاز) شــاهدنــا كوتة من البشر أمــام الدار,وكوتة أخرى أمــام(ما أصبح لاحقا منزل ســالم بيضانى) وكوتة أخرى أمــام (عد دليباى) وبإختصــار شديد أمــام كلّ البيوت المطلّة على الوادى (المحــاز) وأجيب جمّع من النّاس والعيون مركّزة على مشــاهد التصوير.

أمــا الشلّة أمــام آل درار كــانت الأكبر,يتقدمهــا هــيابو وأسناى أبنــاء العم درار لأنه هذا الحوش دائمــا عــامر مثل خلية النّحل و عمّنــا درار على شيخ كــان له ورشة حدادة  داخل الحوش ولأن سكــان المدينة وحتى الأريــاف يثقون فى عمله , كميّة من البشر طــالعة وكميّة أخرى داخلة, دائمــا,  مركز إجتمــاعى مهم,  فى الحى وفى المدينة عــامة,,وكم من غريب من الرّيف فى سنّ الدراسة يلوذ من ظلام الّيل إلى منزل آل درار,بعد يوم دراسى حافل بالعلم والتحصيل,وأيــام العطل المدرسية يذهبون إلى أهــاليهم فى القرى المجاورة.وكأنّ الدار ملك لوزارة الشئون الإجتمــاعية . و عيون الحكومة دائما تطوف حوله إن وجدت مشتبها فيه,

  ,فالخونة والخاسئين,والأذنــاب,وحتّى من إرتدّو عن درب الكفــاح كــانو يعتقدون ربّمــا وجدو فى وسط هؤلاء ربمّــا !!!!!!!

( جبهتى) آخر مستتر,حتى يقبضو عليه ويظفرو بالمكافئة من أسيــادهم,خسئو وفشلو,وتجرّعو سمّ الهزيمة والخذلان,وإنتصرت الأشبال اليافعة التى طــاردوهــا فى كلّ وادى وفى كلّ جبل,ودخلو كرن الباسلة من إتجاه (حشلا بلين)( وشفشفيت)و (قطيتاى) وعند بعضهم شعيرات بيضاء  فى الرّأس مثل الوردات فى الحديقة الغنّاء وفى البعض كــان  قد إشتعل الرّأس شيبا!!!!!

ولكنّهم دخلوهــا منتصرين,لا متخفييّن,امّا الخونة من مــات رعبا,ومن طــالته يد العدالة الإلهية, ومن طـالته يد الجبهتيون فى كرن نفسهـــا(أذكر منهم:حدقو عيلا برعد,فكــاك,عبدالله شيخ الدين,أبرهــا,أب نوريت, كفل (فار ألبا)على بخيت الّذى ســاعدت فى تصفيته الفدائية {سعدية تسفو}وبلال,محمد على) وكثيرون آخرون لا مجــال لذكرهم الآن,لأن كلّ واحد وراءه قصّة كــاملة, ومواقف وعبر ودروس, ولكنهــم ذهبو شرّ ذهــاب, وأنتصر الأشبــال على من طــاردهم,وعــاد الحق بالقوة  لأنه أنتزع بالقوة.

ليس  منزل آل درار وحده بل  محطّات أخرى مهمّة فى المدينة كـانت محطّ أنظــار المخبرون يمرّون عليه صبــاح مســاء مثل ( قهوة بيت جوك ) لصاحبهــا العم(  بخيت هرفا ) ولا أنسى  هذا المقهى وما كان فيه من حوادث لا زالت عــالقة فى الذّاكرة الأوغــاد وهم يهجمون  (بالأوزى) والعصى يومــاو يركلون ويصفعون يوما آخر,اللأبريــاء,فقط لأنّهم أبنـاء ريف,ولبسهم مدعــاة للشّك,نعم يخافون من ذاك الملبس(عراقى والسروال) فكيف يكون الحال إذا أصبحو وجه لوجه أمــام مقــاتل,رأيت أحد الأوغــاد يصفع شابا شريفا كريما,جــاء للمقهى للإستراحة بعد يوم عمل مضنٍ,ليتناول الشّاى مع الخبز البلدى(القشة) والسبب يقول له الندل(نمنتاى تطمتنى آبى أدخا تفلطنى) وطلب منه أن يصحبه إلى مخفر الشرطة للتحقيق معه,وهو يركله ويضربه,أحسّستُ بالقهر والإحباط,والغضب سلبتُ وأنــا واقف من هول الموقف حتى جـاء رسول من والدى ليقول لى أين أباريق الصلاة ؟؟؟؟؟

لأنهم أرسلونى لملأ أباريق الوضوء من المقهى إستعدادا لصلاة العصر,نسيت الوضوء والصلاة وأنا أحترق من داخلى لهذا الظلم العجيب,ولم أبحث عن ذاك الشّاب لأواسيه فيمــا حصل,لأنّى لم أجده بعدها فى كرن,  أ تلك الحـادثة قد تكون جعلت منه أسدا,لا يستطيع أن يعيش حياة تنقصهــا كرامة فى ظلّ وجود هؤلاء الجرزان ,وفى طريق اللّجوء والعودة المتكرّرة,كنت ألتفت ُيْمنة ويسرة بحثا عنه لأهنّئه لإلتحاقه بإخوته فى ميدان الشرف,ولأخبره بأنّ الأسود إنتقمو له ولأمثاله فهلك (حدقو عيلا برعد وهو يحتسى خمرا) وهلك على بخيت ذبحا على بعد أمتار معدودة من( الفورتو) الوكر الأكبر للأوقاد والخونة ولكنّى لم أعثر عليه,ربّما هو أيضا كـان فى مهمّة  إنتقام أخرى فى موقع آخر,وجدت غيره من الأشبال فى كلّ محطـات الإستراحة فى طريق اللّجوء إلى السودان........

(حمّراى,كيرو,مقراييب,حمّرت كلبوى,قرقر,الجبرت, شللوب) نعم وجدت الكثيرين ممّن كنت أعتقد أنّهم شباب (الكوشتينة) فى قهوة (كلمبو) وجدتهم فى غير حال من  يحمل مدفعا أوكلاشنــا أو أبو عشرة وجاهزا لطرد الأوغاد من الحمى!!!!

مثل(إبراهيم درار حيلا,والأخوين قبرقدوس وقبرى لؤول أبناء دانئيل جمع,صالح تكاس,ياسين مرعات,محمد عبدالله والأخير كنّت أعتقد أنه مخبرا كان يحمل مسدسا حكوميا مرخص من قبل الحكومة ,ذهلت ونشف الدم فى عروقى عندمــا رأيته من ضمن قوات حفظ الأمن( الجبهتية) فى ِقرْقْرْ على الحدود السودانية فقلت لرفاق الطريق:

إلّى محمد عبدالله إيكون؟؟ ( الم يكن هذا محمد عبدالله)

قــال رفيقى : أيوا سنّى هتوتو(نعم هو بعينه)

قلتُ : سامحوّ ولا ميتو (هل عفو عنه)

قال: وحنا مى نأمر(مـا أدرانا)

لم أستطع صرف نظرى عن محمد عبدالله هذا وهو يحمل كلاشنا يوجه الجموع اللّاجئة إلى السودان, حينا,ويحتجز من يرى يجب التحقق من شخصياتهم أحيانا أخرى,فى الوقت الّذى كنت أحسّ ورفيقى كــان يجب التحقيق و التحقق مع محمد عبدالله نفسه,إستأثر محمد عبدالله الصّمت, لم ينطق بكلمة ولا نحن مع أنه كــان يقرأ كلّ الأسئلة فى عيوننا حتّى غادرنا معسكر(قِرْقٍرْ) لأمن الجبهة إلى السودان ولسان حالنا يقول: إنهــا واحدة من لعبة( الثورة والثوّار) فى ربوع إرتريا الحبيبة و الّتى لم تكتب بعد كــاملة,وقصّة من قصص الجبهة وتشكيلاتها السرية فى كرن تستحقّ البحث والتدقيق.

ومقهى (عمى بــا فول) هو أيضا محطّة أخرى ومقهى  عمى عبدو لمبة,ومقهى( الألبان العصرية) لصاحبها العم محمد إبراهيم محمد سعيد(وقهـوةالجــاك) لصــاحبهــا (قرمدهن طقــاى) وقهوة (كلمبو) بالقرب من سوق الخضــار(إسقدوريت) ودكّـان(حــاج تمبــاك) والبيت المستدير لبيع التمباك(عمّارى, حفون, برود, كمــا تريد) لصاحبه عمّ عبدالرّزاق, ودكان العم (حسن إدريس) حسنى,وميزان عطى(سوق الحطب) وقهـوة العم (عمر أمــان طه) فى شــارع الصًاغة,(هذه القهوه إرتبط إسمهــا بكثير من أحداث, وأكثر من عملية فدائية ,ولهــا تأريخ حــافل بالنّشــاط الوطنى), وشــارع(قنّافو), والمسجد, والمعهد الدينى الإسلامى, وسوق العيش(فرش أكل) وسوق( اشّـام) سوق برّا (سوق برّا :هو سوق المـاشية,وهو محطة مرّ منهــا كثير من فدائين,بعد تنفيذ عملية بطولية( أذكر منهم الشّهيد محمّد صـالح فكــاك  الملقّب  بفكرس شهيد جبل (قبسى) وعلًق جسده الطًاهر فى وسط المدينة,أمام طاحونة( آل بابا زاكى).

وشــارع صيّاغين(شــارع الصّاغة) ومــا أدراك من شأن ذاك السّوق عزيزى القــارئ, كم من منــاضل ومجــاهد,منبعه وإنطلاقته كــان من شــارع الصّـاغة هذا(عبده محموداى,سعيد شـاوش,محمد جمع,يوسف كشواى) وآخرين كثر.

أعود بك عزيزى القــارئ إلى المشهد التصوير أو نسمّيهــا تمثيلية التصوير,حدث حصل بالأمس, ويطلب من البطل منفّذ العملية أن يؤدى فى شكل تمثيلى,ويعيد كلّ خطوة من أول وجديد, إبتداءًا من رمى القنبلة,ثمّ الإنسحــاب,والطرق الّتى سلكهــا,أثنــاء الإنسحــاب,ومعركة المطــاردة,وإطلاق النّار ثمّ الوقوع فى الأسر, الحدث الّذى كــان حديث المدينة لفترة من الزّمن,ورواية شيقة للأطفــال وفيهــا كثير من إضــافــات من وحى خيـالهم الطّفولى.

لم نشـــاهد كلّ شيئ,ولكنّنا كنّا نستغرب كلّ هذا الحشد والشرطة,والصّحفيين والمخبرين (البرقيس) وكميّة من المتعــاونين ,شــاهدنــا الجبهتى وحوله مجموعة من العسكر والمخبرين,يصعدون من المحــاز (الوادى) إلى أجيب لأنه محطّة أجيب كــانت فى مرتفع أعلى بمستوى موازى للشّارع العــام المسفلت والمتّجه إلى أسمرا,العسكر فى ملابس ميدانية,وكــأنّهم مقبلين على معركة حــاسمة وجلّ العسكر من النّاطقين بالتقرنية,والشبل(الجبهتى) إبن ذاك الأسد(عواتى) فى وسطهم هــو هــو نفس الشخصية التى رأيتهـا بالأمس, بنفس الملابس( العرّاقى, والسروال, والثوب) وبعد أن أوثقو يديه,صعدو به إلى الأعلى إلى المحطّة(أجيب) .

الفدائى من أين أتى لا أدرى ولكنّه فى الصبـاح الباكر,جــاء إلى أجيب من الخلف من إتجــاه المحــاز(الوادى الموسمى) وإقترب من المحطة (الهدف) وعند المرتفع أطلّ برأسه,ولأنه رجل قصير القــامة نوعــا مــا لم يرى فى الإتجــاه الآخر إلا رأسه,ورمى القنبلة على المحطة ليتركهــا وراءه تشتعل,ولكن القدر كــان على موعد فلم تنفجر القنبلة, كمــا أراد الجبهتى,ولأنه كــان فى الإتجــاه المعــاكس للسوق من المحطّة,كــان الإنسحـــاب أسهل,ولسهولة الإنسحــاب إختــار الأحيــاء,وسلوك طريق جبل (أيتعبّر) وعينه على(شفشفيت),لأنّه الوادى الموسمى هذا (المحــاز) يوصل إلى (شفشفيت) وهى  تلكم البحيرة الراكضة على إثنين أو ثلاث كيلو متر من وسط المدينة ,وهذا الطريق سلكه أكثر من فدائى,وإنْ وصل إلى تلك البحيرة الرّاكضة, فــأنه يكون قد ضمن الخلاص من قبضة الشرطة, والكمندوس,والمخبرين, والجواسيس لأنّه الوادى الموسمى هذا (المحــاز) يوصل إلى البحيرة ولكن لا يسلكه الفدائيون,ومرّة ونحن نسترجع تلك القصص,ســأل ســائل لمـاذا لم يسلكو طريق الوادى(المحــاز) هذا بالرّغم من قصره؟

قــال أحد الشباب الكبــار لأنه طبعــا الإنســان لا يستطيع الرّكض على الوادى لأنه وادى رملى  تغوص فيه الأرجل, ولأنه  أيضـا مكشوف  لا حجر ولا شجر!!!!
هذا( المحــاز) الأسطورة يقسم المدينة نصفين,يصبّ من منابع له فى جنوب المدينة,ويزحف شمــالا, ويعــانقه محازآخر(دعــارى) يؤانسون بعضهم تاركين قرية (عونا) يسارا أثنــاء زحفهم إلى الشمـال مرورا بقرية (طباب) (وموشى)  لينضمّوإلى نهر (عنسبا) الموسمى.

نحن الأطفال كــان هذا المحاز هو حديقتنا,هو ملهىنا,نستمتع,بنعومته وكأنّه فراشُ عربى أبيض اللّون بسط من جنوب المدينة إلى شمالها ليفترشه البسطاء  والأطفــال ويقصدونه للإستراحة والإستجمام,وفى الصّباح ننتظر فيه لنرى من يـأتى مبكّرا من بيّاعين الحطب,الآبــاء يشترون,ونحن ندلّ صاحب الجمل أو الحمــارإلى الدار.

من الّذى لم يجرّب الجرى على ( المحــاز),ومن منّا لم يلعب فى ال (محــاز) وهو من تلك الأحيــاء القريبة والبعيدة ,ومن منّــا لم يحضر المحــاكم المفتوحة فى ذاك المحــاز وتحت أشجــار التين (شقلة) إحدى الأشجــار محكمة إبتدائية, والأخرى محكمة إسئنــاف,وربّمــا تكون واحدة من أشجــار( الشقلة)( التين) محكمة جنــايــات عليــا لا أدرى ولكن كثير من أهــلنــا الطيّبين تعقد محــاكمهم هكذا فى الهواء الطّلق,وبعضهــا تؤجّل بعد نقــاشــات حــامية, إن كــان الموضوع فيه جرم أو نزاع قبلى,أو نزاع يتعلّق بالأرض.

أمّـا أجمل أوقــات (المحــاز) هى بعد الظهيرة وعندما يكون ظلّ أشجار البان (القلاميطوس) والشّقلة(التّين) المتعانقان دوما فى منظر بديع ويغطى ظلّهم جلّ عرض(المحاز) وقبل بدأ مباراة كرة القدم, ربّما تكون مبــاراة(عنسبا+ إستيلا أو( الهلال لســالى ) و لعبة( الإشكلئى بيت كلئى)  المفضّلة( لعبة محلّية تشبه الدمنة ولكن خطّوطها ترسم وتحفر فى الرمل ) والأصوات تتعــالى, دكى,طيبــاى,ستوت وحنفتوت,والبعض يغطّ فى نوم عميق تحت أشجــار

( الشقلة) وكأنه فى فندق خمسة نجوم, سبحــان الخــالق إنه زمنً...وزمن.....

الحشد الّذى كــان أمــام منزل آل ضرار,لا أحد ينطق بكلمة,جهرا الكلْ يهمس لم أدرى لمــاذا؟ ولكنّى فهمت أن هــناك عنــاصر لا يوثق بهــا.قــال أحدهم أنهم يتحركون, أصعدو (الجبهتى) على سيًارة لاندروفر وسيّارةنــاقلة جنود أمــامه وأخرى خلفه, وكــأنهم متّجهون إلى أسمرا فى هذه الّحظة لعب الفأر فى عبّى,وإنطلقت كالصّاروخ إلى إتجــاه دارنــا,وصلت قبلهم,راودتنى الفكرة أن أسرع وأحضر الطلق وأرميهــا فى نفس الموقع الّذى وجدتهــا فيه,ولكنّى ظننت أنّهم ربّمــا يكتشفو أنّ الطلقــات كنّ معى ويتحقق مــا قــالته الحبوبة بسجن أبى!!!!  لا لا لا عدلت عن الفكرة,وعدت من بــاب المنزل وحقيبة  المدرسة لا زالت على كتفى, ربّمــا لو دخلت المنزل سوف يقرأون الأهل قلقى على وجهى وأمنع من الخروج, مع أنهم فــاهمون أنّ الطلق قد تخلّصت منهنّ,وأنّى لا أملك شيئا من الممنوعــات إيــاهــا!!!

و حتى لا تفوتنى لقطة من لقطــات التصوير عدت مسرعــا , شــاهدتهم من دكــان (عمّى حزام وآل حجى جــامع) وهم ينعطفون إتجــاه حــارتنــا, ,تيقنت حينهــا أنهم آتون إلىّ لا محــالة, الموكب المكوّن من ثلاث سيّارة,كلّ مــا يقترب من البيوت,الأهــالى يقفلون الأبواب وينظرون من خلف الباب,وبعد مرور الموكب بثوانى تفتح الأبواب ويتجمهرون أمــامه, وصل الموكب  امــام( آل أقدوبــاى) ومرآب سيّارة عمّى ( أبوبكر يــاقوت),فى تقاطع طريقين, وقف الموكب هــناك لحظــات, هبطت مجموعة من العسكر, والمخبرين, لحراسة الطريق وتقدّم الاندروفر قليلا ثمّ توقف أمــام آل (بابندر) فى هذه اللّحظة تدخل العم ( الخليفة عثمــان يزيد) وهو جــار ليقول:( يوليد عبدو نعا إتى إنسرْ) يــا ولد عبدو تعــال أدخل!!!!  ويؤشر على دارهم

قلت :( إقيس هليكو بيتنــا ) أنــا ذاهب إلى دارى

قــال:( يلاّ طيب وركى من إلاّ أكــان) يلاّ طيّب روح من هنــا!!!

عمى( الخليفة عثمــان) لم يشــاهد بقية الأطفــال رآنى فقط لأنى كنت ظــاهرا,والبقية خلفى  تحركت عدّة أمتار وعدت من جديد نزل العسكر

 من ناقلة الجنود الثّانية ,و من الاندروفر,هبط رجــال وأشبـاه رجـال بالكامرات, و مجموعة من المدنيين, يتقدّمهم رجل  وفى يده مسدسين, لفت نظرى,أشباه الرّجــال هولاء, لم يكونو عسكر, وحتى ملابسهم رثّة وأردية قصيرة لاصقة بالجسد, لا تليق برجل, كلّهم نكرات,غرباء,(أوباش) لا ينتمون بأىّ حال لشعب كرن الطيّب وأشك فى جلّهم ومدى إنتماءهم إلى أىّ مدينة ,أو قرية أو أىّ وادى فى (بحر نقــاش)  خــانو الأمانة,وأدارو ظهرهم لمدينة أعالتهم,وأعاشتهم طعنوها من الخلف, وغدرو بإبنٍ من أبناءها بارا مجتاهدا أبى الظلم وإنتفض!!!!! ولكن التأريخ لا يرحم,بعد فترة وجيزة أحلامهم أصبحت رعبا,ففرّو من قسورة, ربّما إلتحقو بظالم آخر و قاتل آخر(مثل قاتل كبيرى) فى وكرٍ من الأوكار فى أدغال إثيوبيا.

 الأهمّ من هذا كلّه لفت إنتباهى رجل وجهه مألوف لدى!!!  قلت مع  نفسى مــاذا يفعل هذا إنه جــارنا فى الحىّ؟؟

قــال (عبدو.ح):( رأو لإنـاس لسمط عد قمــاط لكورى لهلا إيكون مى همطتو مسلوم؟؟

  ؟؟؟ أنظرو.. أنظرو الرّجل المؤجّر بالقرب من آل قمــاط مــاذا يفعل معهم

يقول آخر( منّا جمــاعت لجبهتى لطبطو إيلقبأ) ربّما يكون من الجماعة اللّذين قبضو على الجبهتى

ونحن لا نصدّق عيوننا فيمــا نرى... فإذا بنا نتذكّر حديث يـاسين عامل عصّارة عد ياقوت إنّ جــارنــا الحمّـال كــان أحد اللّذين طــاردو وقبضو على الجبهتى.... وبلا شك اخذ العسكر مواقعهم فى ذاك المثلث بين منزل ( آل بابندر) و(آل يــاقوت) وآل (الخليفة عثمان يزيد) وإتّجهت زمرة من أشباه الرّجال نحونــا ونحن فى الرّكن الّذى يلى (آل يزيد) إنسحبنــا ومعى (م.سمرا) إلى أمام منزل (محمود أحمد, وعـافة بكت) وبقى عبدو.ح ولكن تقدّم نحوه جـارنا ( النّكرة)  بطوله الفارع وقميصه النّظيف نوعا مـا  وسرواله الطويل,وعلى رأسه طاقية(مسلم)  وحذاءه الصندل من صنع محلّى, وبعد همسات مع المدنى( أبو مسدسين) رفع ذاك النّكرة حجرا أكبر من رأسه ,تملّكنى الخوف لئلا يهوى به على رأس أحدنــا لأنّه وحــالته هذه لا يؤمن شرّه,وحذا أصحاب الأردية القصيرة حزوه,رفعو الأحجار وشمّرو السواعد,كما يفعلون دائما عندما يتشاجرون بينهم,فى لعبة القمــار(إندمينو,أو بوشى....)  أو مع مسّاحى  الأحذية  (,ومجموعة من المخبرين تحمل المسدسات خلفهم هنــا الموقف كان جاهزا فقط وكأنّه ينتطر إشارة  (آكشن) من المخرج أو من مدير التصوير!!!!!

 الصّحفيون إلتقطو الصور( للأوباش) وهم يحملون الحجارة, والمخبرون والعسكر مشهرين  مسدساتهم,وأحد الصححفيين يرسم ويكتب, وكأنه يسجل ملاحظاته,أمّا الرجل (أبو مسدسين) إختفى لفترة فى الاندروفر,ثم عاد  هذه المرّة ومعه( البطل المغوار) الجبهتى, بعد أن حلّو وثاقه والعسكر يحوّطونه,من اليمين والشمال والخلف فى منظر أشبه بيوم القبض على عمر المختار(المجاهد الليبى فى الفلم الّذى سمى بإسمه) نعم شاهدته وجه لوجه وعن قرب,ربّما حفظت خطواته من شدّة الإعجاب والتعلّق!!!

 رجل أسمراللّون يميل للقصر أكثر من الطول,الشعر مصفّفْ على طريقة أشبال الجبهة فى تلك الأيام(على بيبى)  هـادئ, ثابت وكأنّه كان يعلم بأنّه يسطّر لفقرة مهمّة فى تأريخ إرتريا الحديث ,شاب فى مقتبل العمر, لم يكمل العقد الثانى  من العمر,لا أدرى بأى لغة كــان يتحدث,ولكنّه كــان ينفّذ كل , ما يطلب منه دليلا على الفهم,لم يربك, ولم يرتبك,فى كلّ مشــاهد التصوير .

ثم طلب من الجبهتى أن يقبض على المسدس فتناوله من الرّجل وطلبو منه أن يصوّبه فى إتّجــاه الحمّال النّكرة(جارنا) وإلتقطو صورا,ثم طلب منه أن يصوّبه إتّجاه الحمّالين الآخرين ومعهم مجموعة البرقيس....وصور  ثم طلب الرّجل أبو مسدسين ( الحمّال النّكرة) بعد حديث قصير أشار الحمّال النّكرة بأصبعه على مسافة من مكان وقوفهم,,,,,, أخذو الجبهتى إلى تلك المسافة وطلب منه أن يتجه نحوهم ثمّ يرتكز على ركبته اليسرى ويصّوب المسدس على الحمّالين والعسكر,كما فعل بالأمس, ثمّ طلب منه رمى المسدس على الأرض ورفع اليدين علامة الإستسلام !!!! ثمّ أشار كبيرهم على البعض فجزبوه من جلابيبه كناية عن الوقوع فى الأسر وهكذا صوّر الجبهتى,واقفا جالسا,مرتكزا....وتمت بذالك مسرحية التصوير  أخذو الجبهتى على سيّارة الاندروفر مقيدا وتحرّك الموكب,تاركا وراءه مسرح عمليّة القبض على الجبهتى فى حلّة (عد دبر) وجبل (أيتعبّر) شاهد على حدث سجّل فى التأريخ,بإسم عملية أجيب.

لملم العسكر, والأوباش أنفسهم وتركو لنا حارتنا بعد أن إنتهكو حرمتها لساعات,ولكن بقى أربعة من رجال (البرقيس) وهؤلاء كنّا نميّزهم بستائرهم المنتفخة لوجود مسدساتهم فى الخاصرة.......بقى هؤلاء للبحث  عن أشياء أمرهم بها كبيرهم( أبو مسدّسين) .

 

وتلكم قصّة أخرى أبدأ بهاا لحلقة القادمة

وأترككم فى حفظ البارئ حتى نلتقى فى الحلقة القادمة

للتواصل

Khulafa20@yahoo.com

مواضيع أخرى للكاتب:
المرحوم سيّد أحمد خليـــفة ... شــــهيد الصّحــافة وصديق ثورة إرتريـــا
رحـيــل علـــم من أعلام مدينة كرن

رحم الله بطل معركة حقّأت...الشهيد إبن الشّهيد/محمّدعافة محمّد إدريس ود حاج
فى حيًنا فدائى ... قـصًة فدائى من جبهة التحرير الإرترية الحلقـــات:1  2  3  5  6

 

التعليق على الموضوع !
عنسبا دوت كوم ترحب بتعليقات القراء، وترجو من المشاركين التحلي بالموضوعية وتجنب الاساءات الشخصية والطائفية، ولن يتم نشر اي رد يحتوي شتائم. كما ترجو عنسبا من المعلقين ادخال الاسم الاول واسم العائلة واسم الدولة وتجنب الاسماء المستعارة, contact@ansaba.com