|
عفوا رجال الدين الإرتري !!
|
|
|
|
|
21 يونيو 2010م
النصيحة لوجه الله في أمور الدين والدنيا والآخرة هي مهمة لا يجيدها إلا المنقطع عن
الغرض والمصلحة والهوى . وأعتى نصح ، كلمة حق أمام سلطان جائر وأفضل من يقوم بذلك
هم رجال الدين .. لأنهم المؤتمنون على الدعوة إلى الله وتبليغ رسالاته بعد المرسلين
الذين هم أفضل الخلق. وبهذا المعيار فإن مهمتهم ومكانتهم عظيمة عظم هذه الرسالات .
هم بمعيار العدل والرسالة والأمانة القادة والقدوة الحقيقيين للأمم في القول والعمل
. لأن الهدي الذي يتحملون مسئوليته يجعلهم في مصاف الكمال الإنساني في الخلق
والمعاملة والرسالة أو هكذا يجب أن يكونوا . هم دعاة العدل والسلام يسعون بين
الناس من أجل أن يحملوا الناس على الخير والبعد عن الشر ، يتصدون للظلم والظالمين ،
يدعون الناس على المحبة والإثار والعدل والإنصاف وعلى ضرورة أن يزنوا أقوالهم
وأفعالهم بميزان رضا الله وغضبه والجنة والنار . يمثلون القدوة في الإنقياد لأوامر
الله ونواهيه . الناس خلفهم وهم أئمتهم يحثون ويحملون الناس بالدعوة الحسنة نحو
القيم والأخلاق الفاضلة والسلوك القويم .
ورجال الدين بهذه المواصفات والمقاييس يصطدمون كثيرا مع الحكام الذين يتولون شئون
الحكم والسياسة . وفي التاريخ صراع طويل بين رجال الدين والحكام حول من يسود ويقود
المجتمع . ففي أوربا مثلا سادت عقود من الخلافات بين الكنيسة والملوك إلى أن تواضع
الطرفان على تقاسم الأدوار والسيادة على المجتمع . استمر هذا الواقع إلى أن جاءت
نظريات علم الإجتماع وخاصة علم الإجتماع السياسي التي وضعت أسس ومفاهيم مغايرة
للحكم والدولة خلاف ما كان سائدا . وعلى ضوئها حدثت في أوربا ثورات سياسية عصفت
بنظم الحكم القائمة آنذاك . التي كان عمودها الملكيات وسلطة رجال الدين . وإمعانا
في تكريس وضع مغاير لما كان قامت تلك الثورات بإبعاد الدين والملوك عن الحياة
السياسية على قاعدة " ما لله لله وما لقيصر لقيصر " والتأسيس لمبدأ فصل الدين عن
الدولة ودعت إلى علمانية الدولة . وذلك كرد فعل للتجربة القاسية وانحراف الدور
والممارسة من قبل رجال الكنيسة وانحيازهم إلى جانب الملوك الذين أساؤا السلطة
وأذاقوا الشعوب الأوربية الويلات ، حيث صارت الشعوب مجرد عمال سخرة في أراضي الملوك
والإقطاعيين والكنائس يبذلون طاقاتهم وجهدهم فقط مقابل سد الرمق.
وكبديل لنظام الحكم تبنت تلك النظريات السياسية الديمقراطية والتعددية الحزبية نهجا
للحكم ، والتنافس السلمي وسيلة لحسم الصراع على السلطة والوصول إليها. وبها أخذت
الثورات في أوربا .
وفي الإسلام أيضا نجد في عهود الإنحطاط المختلفة للدولة والدويلات الإسلامية علماء
البلاط الذين تركوا مهمتهم الأساسية التي أسلفنا الحديث عنها وأصبحوا مجرد أبواق
للحاكم يزينون أقواله وأفعاله بحجة أنه الحاكم بأمر الله وهو في ذات الوقت أبعد
الناس عن الله قولا وفعلا.
نعود إلى العنوان ومن التاريخ إلى الواقع بغية ربط الموضوع بالعنوان . الظاهر
للعيان أن حال الشعب الإرتري اليوم وبعد تسعة عشرة عاما في ظل الإستقلال الوطني لا
يسر أحدا سوى من صنعوا هذا الواقع .
الحدث الذي نحن بصدده ، تعود تفاصيله إلى عدة شهور خلت ، غير أن صور تلك الأحداث
تظل ماثلة . ربما لأنها غير متوقعة مثل هذه المواقف ممن هم في قامة رجال الدين .
أو ربما لأنها تعيد إلى الذاكرة الجمعية بعض أحداث التاريخ المماثلة ، أو ربما
لشيئ آخر . كلما في الأمر الصورة مشاهدة ذهنيا إلى الآن.
لقد تصدر رجال الدين مواكب المناصرة والتأييد للنظام القائم في إرتريا في واحدة من
مسيرات النظام في الخارج التي حاول من خلالها الإيجاء أن رجال الدين إلى جانبه في
مواجهة قرار الحظر الدولي رقم (1907) الصادر من مجلس الأمن . والصور التي التقطت
لبعض هؤلاء في تلك المظاهرات ظلت تتصدر بعض المواقع الإرترية على شبكة الإنترنت
لبعض الوقت . وقد شكلت تلك المواقف صدمة للشارع الإرتري وإساءة بالغة لرجال الدين
الإرتري ودورهم في المجتمع وفي ذات الوقت إلى شعبنا المتخم خيبة والمغدور في رجائه
والتائه مرغما في المنافي جيلا بعد جيل ، ليس لضيق الأرض والعيش ولكن لضيق صدور
الحكام ، كما قال الشاعر " لعمري ما ضاقت بلاد بأهلها ولكن أخلاق الرجال تضيق " .
فمواكب رجال الدين الذين تصدروا تلك المسيرات المؤيدة كان ينبغي أن تكون لتشييع هذا
الواقع وليس لاستمراره .
الولاء الأعمى للحكام مستهجن من الإنسان العادي فكيف عندما يكون من رجال الدين ؟!
الولاء الأعمى درب من دروب النفاق والتزلف . يكذب صاحبه على نفسه قبل غيره ، وهو في
الأساس لا يشبه ولا يليق برجال الدين ، الذين يفترض فيهم واجب التصدي للظلم
والظالمين إنطلاقا مما تمليه عليهم مسئولياتهم الدينية والإخلاقية والإنسانية
والوطنية .
يجب أن تكون مواقف رجال الدين متناسبة ومكانتهم القيادية في المجتمع باعتبارهم دعاة
السلام والعدل والإنصاف بين البشر غض النظر عن دينهم وأعراقهم وإنتماءاتهم السياسية
لأنهم أصحاب أسمى رسالة وأقدس مسئولية تتجاوز السياسية والدنيا إلى ما بعدها ،
ويدركون أكثر من الحكام ومن غيرهم عواقب ومآلات الأقوال والأفعال خيرها وشرها .
يا رجال الدين !! ويا من فررتم من إرتريا ومنحتم حق اللجوء ومن ثم إعادة التوطين في
أي ركن من أركان المعمورة بحجة الإضطهاد والكبت الديني أو غيره . الكذب لعنة كبيرة
من المفترض ألا تقترفوها وأنتم من أنتم !! هل يعقل ارتكاب تلك المعصية من أجل
الهجرة لبلد ثالث فقط ؟!! في غرارة أنفسكم تعلمون ، بل ربما عايشتم بعض مرارات
الواقع في إرتريا المستقلة .. إلا إذا كنتم ممن يسبحون بحمد الحاكم أيا كان،
والمدافعين عن سوءاته بما يتنافى وقيم الحق والعدل ... أيها الأمناء على رسائل
السماء داخل إرتريا وخارجها ، تجنبوا هذا النوع من الولاءات التي تحط من قدركم
وتشكك في دوركم الرسالي وغايتكم من مناصرة هذا الواقع الذي لا يشرفنا جميعا .
كان عليكم بالمقابل يا أصحاب المواقف الآنفة تكريس الجهد والوقت من أجل سيادة
السلام والدعوة إلى التعايش والمحبة بين مكونات المجتمع الإرتري الإجتماعية
والسياسية والدينية ، ومن أجل السلام وحسن الجوار مع شعوب ودول المنطقة والعالم ،
والتمسك بقيم الدين السمحة والإبتعاد عن مولاة الحاكم دون هدى وبصيرة ومناصرة
أهوائه على حساب الشعب وحقوقه ... لأن ذلك ببساطة لا يناسبكم ولا ينسجم مع دوركم
الحيادي في صراع الحياة والسلطة على وجه الخصوص ولا سيما عندما يكون الظلم مهنة
وبضاعة للحاكم .. إلا إذا تخليتم عن دوركم الديني وارتضيتم الحاكم مثلا أعلى
تمتثلون أوامره ونواهيه . وعند ذلك تفقدون السلطة الروحية وتصبحون سدنة للحاكم الذي
يظل محل النقد والتجريح والمقاومة ولا يملك قداسة السلطة الروحية والولاء الذي يختص
بها رجال الدين. ولكم ان تختاروا أي الموقفين ، وتتحملون تبعاته الدنيوية
والأخروية.
ويقيني أن الغالبية من رجال الدين الإرتري الإسلامي والمسيحي يقفون إلى جانب شعبهم
وقبل ذلك إلى جانب العدالة التي هي أس الرسالات والأديان وقوامها كما أنهم ملتزمون
بمسئولياتهم الأخلاقية والدينية والوطنية تجاه شعبهم وقضاياه الآنية والمستقبلية.
والسلام ,
meneritrea@yahoo.com
عودة للمقدمة