صراع القوى الكبرى على البحر الأحمر وخليج عدن (سايكس– بيكو جديد )! 

بشار نصر عيسى

 

صحيفة الوطن

2010-04-05

يلفت ملف امن البحر الأحمر أنظار المراقبين لأهميته الإستراتيجية وبإلقاء نظرة سريعة على القوى المسيطرة عليه ندرك أن الغرب يرى فيه الممر المائي الأكثر خطورة في العالم، لأنه يربط بين المناطق الآسيوية والإفريقية ودول الخليج العربي وبقية أنحاء العالم. ويعد خليج عدن الآن حلقة مهمة وإستراتيجيه في لعبة التوازنات العالمية في الشرق الأوسط بسبب ظهور عدة عوامل يمكنها أن تؤثر في مسارات السياسة الدولية في الأعوام المقبلة.


بدأت نتائج السياسة الغربية تجاه خليج عدن والبحر الأحمر تتجلى منذ سنوات وبشكل حذر ومنهجي ونورد بعض الخطوات التي تجاوزها الغرب، في ظل صراعات إقليمية، لفتح منطقة إستراتيجيه جديدة في محاولة لقلب التوازنات عبر انتداب جديد لمنطقة البحر الأحمر وخليج عدن امتدادا إلى دول شرق إفريقيا.
ولا يخفى على المراقبين أن أعماق مياه البحر الأحمر تشهد حضوراً مكثفا لغواصات تكتيكية وإستراتيجيه تابعة للدول الكبرى، وخصوصاً الولايات المتحدة، الصين وإسرائيل. وفي إشارات للمحللين العسكريين فإن احتمال اندلاع مواجهة عسكرية كبيرة سيحول البحر الأحمر لساحة مواجهة بغية السيطرة على حركة الملاحة الدولية الرئيسية. وفي الشمال، برغم وجود اتفاقية وادي عربة واتفاقية كامب ديفيد إلا أن خليج العقبة وقناة السويس ما زالا ساحة حرب باردة بالنسبة لإسرائيل ولمواجهة إسرائيل أيضاً. وتسيطر إسرائيل على كل الجزر ذات الأهمية الإستراتيجية في البحر الاحمر.
أما جنوب البحر الأحمر فيشمل خليج عدن الذي يشهد حالياً ظاهرة القرصنة وعمليات تهريب السلاح إلى القرن الإفريقي ومناطق النزاعات الإفريقية. ومن جانب آخر فإن مضيق باب المندب يعادل بأهميته الإستراتيجية قناة السويس.
وتحاول تل ابيب الالتفاف على محاولات إقامة تكتل إقليمي خاص بدول البحر الأحمر ما يعطيها مجالا لحرية الحركة في حال تعطيل هذه التوجهات. وبما أن واشنطن تؤيد مصالح إسرائيل فإن إمكانية قيام تحالف أو تكتل كهذا سيبقى مجرد طرح فقط. ولا يمكن تجاهل التحركات العسكرية في حوض البحر الأحمر، على سبيل المثال: جيبوتي التي تستضيف قاعدة عسكرية فرنسية وأخرى أميركية إضافة إلى قاعدة إسرائيلية مصغرة وبعض القطع البحرية الألمانية، الايطالية والبريطانية. وعززت أميركا وجودها بنشر قوات الانتشار السريع التي تعمل جنبا لجنب مع قوات التدخل السريع الفرنسية المتمركزة في جيبوتي.
أما مصر فتستضيف قاعدة فرنسية وأخرى أميركية في ميناء الغردقة وتشير المعلومات إلى وجود أجواء تفاهم مصرية – أميركية لإقامة قاعدة عسكرية أميركية في الغردقة. إلى ذلك هناك معلومات عن مساعي واشنطن لإقامة قواعد عسكرية بحرية في إحدى المناطق الشمالية للساحل السعودي قرب الأردن.
وعقب العدوان الإسرائيلي على غزة بدأت تتوضح أهداف إجراء بعض الترتيبات العسكرية ومحاولة الاتفاق على إقامة ترتيبات عسكرية مشتركة (يمكن توثيقها!) تضم أميركا، إسرائيل، مصر، اريتريا، جيبوتي، الأردن، وعلى هذه الخلفية تحاول مصر– اريتريا– جيبوتي والأردن الاستمرار في الجهود باتجاه مشروع منتدى تعاون دول البحر الأحمر الهادف لبناء تحالف إقليمي يجمع هذه الدول بمعزل عن إسرائيل.
وبالانتقال لخليج عدن والقرصنة نجد أن الصراع الدولي الخفي الذي اختلق قاعدة القرصنة بهدف إعادة انتداب هذا الخليج (الممر البحري الإستراتيجي العالمي الواصل بين ثلاث قارات) يتجه نحو تدويل المنطقة بحجة مكافحة الإرهاب والقرصنة، وعدم وجود أي خطوات عملية في ظل حضور مكثف بحري عسكري لواشنطن وحلفائها يدل على إمكانية ظهور اتفاق (سايكس– بيكو جديد) لتقاسم ثروات المنطقة ومناطق النفوذ.
وبعد انتهاء عهد بوش وقدوم اوباما للبيت الأبيض نجد فترة رئاسته تؤكد منذ بدايتها وجود (تعاون أميركي مع إسرائيل ومصر) للسيطرة على المحاور المؤدية لقناة السويس تحت حجة تهريب السلاح لحماس إضافة إلى تفعيل هذا التعاون في إطار التدويل الذي سينطلق من سيناء والمتوسط.
أما خلفيات حجج الغرب فهي برأي المراقبين بأن حرب النفط بدأت تنتقل من منطقة الخليج إلى إفريقيا وان تزعزع الأمن في إفريقيا سيستمر لوقت طويل، مع الإشارة إلى أن احتياط النفط في السودان يعادل الاحتياطي السعودي وان واشنطن أخذت على عاتقها حل مشكلات الشرق الأوسط وضيقت الخناق على أوروبا وكذلك الهند والصين وانه في حال سيطرت الولايات المتحدة على دارفور فإن الصين ستفقد 10% من وارداتها من النفط.. ويبدو أن التحرك الدولي في المنطقة سواء بزيارات محدودة لمسؤولين إلى صنعاء أو بإرسال قطع بحرية عسكرية لمحاربة القرصنة في منطقة القرن الإفريقي، إضافة إلى حملة إعلامية مكثفة عن القرصنة وتهديداتها للأمن والاستقرار وما إلى ذلك، كله يشير إلى إدراك حساسية وأهمية هذه المنطقة الإستراتيجية، أضف إلى ذلك التطورات الخطرة الأخيرة في اليمن (الحرب بين الحكومة والحوثيين وانضمام السعودية للعمل العسكري ضد جماعة الحوثي)، إلى ذلك محاولات قادة الحراك الجنوبي للانفصال وتوسع عمليات القاعدة في اليمن.
وبالاستناد على واقع منطقة الشرق الأوسط والقرن الإفريقي واتساع التعاون الغربي ضد ملف القرصنة لاحتواء المنطقة بالكامل، لا تجد الدول الكبرى مفراً من خوض معركة سياسية قادمة في المحافل الدولية مع إيجاد الورقة الرابحة التي ستشكل نقطة ارتكازها الأقوى في حوارها لصياغة القرار في خليج عدن والقرن الإفريقي والبحر الأحمر ما يتطلب إيجاد (حلفاء) أو أنصار بأقل تقدير في المنطقة وهنا تعول هذه الدول وقادتها على اليمن مهما كان ظاهر العلاقات مع صنعاء التي أصبحت مفتاحا ذهبيا إستراتيجيا.

 

التعليق على الموضوع !
عنسبا دوت كوم ترحب بتعليقات القراء، وترجو من المشاركين التحلي بالموضوعية وتجنب الاساءات الشخصية والطائفية، ولن يتم نشر اي رد يحتوي شتائم. كما ترجو عنسبا من المعلقين ادخال الاسم الاول واسم العائلة واسم الدولة وتجنب الاسماء المستعارة, contact@ansaba.com